ظل تاريخ حزب الوفد يشتهر بمحاربته للديكتاتورية والقمع وحكم الفرد الواحد، حتى أصبح حزب المعارضة الأول في مصر، برغم محاولات الأنظمة السابقة اختراقه وتدجينه، ثم تحوّل على يد رئيسه الحالي بهاء الدين أبو شقة إلى “حزب الرئيس”، يسعى لإبقاء الديكتاتور مغتصبًا للسلطة ويجمع الأصوات ليعدل الدستور خصيصًا له!.

هذا الانقلاب الذي شهده حزب الوفد له أكثر من تفسير، بعضها يعود إلى ضعف هياكل الحزب وغياب الشخصيات التاريخية المستقلة، وسيطرة أصحاب المنافع والمصالح عليه، بداية من رئيسه السابق “السيد البدوي”، وحتى الحالي “أبو شقه”، وبعضها يعود إلى الانتقام من جماعة الإخوان المسلمين التي تفوقت على الحزب في أول وآخر انتخابات حرة في مصر عام 2011، وفازت بغالبية مقاعد البرلمان بنسبة 44%، بينما جاء الوفد في المركز الثالث بنسبة 6.7% فقط.

هذا التحول في مسيرة الحزب بدأه “السيد البدوي” بمدح قائد الانقلاب وتأييد اغتصابه للرئاسة، بمزاعم أنه “أنقذ مصر من الانهيار والتفكك”، واعتباره مرشح الحزب للرئاسة، والموافقة على تعديل الدستور وتمديد اغتصاب السيسي للرئاسة، وكان السبب الرئيسي وراءها- بخلاف كراهية الإخوان- هو الرغبة في إنقاذ نفسه من اتهامات بالاختلاس تنتهي به إلى السجون، وصلت إلى حد منعه من السفر، فاشترى حريته بدعم الانقلاب.

وشارك رئيس حزب الوفد السابق “السيد البدوي” في الدعوة لتمديد رئاسة السيسي، قائلا في تصريح صحفي: “إن أربع سنوات غير كافية على الإطلاق لأي رئيس لانتشال مصر مما تعانيه”، معلنا تأييده “ترشيح السيسي لفترة رئاسية ثانية”، ثم دعمه لتعديل الدستور بعدما كان يقول في تصريحات سابقة إنه لا يجوز التعديل للتمديد للسيسي!.

وانتهت مسيرة انبطاح الحزب التاريخي تحت أقدام الانقلاب بتولي بهاء الدين أبو شقة رئاسته، وهو الذي شارك في تمرير التنازل عن أرض مصر (تيران وصنافير) كرئيس للجنة التشريعية في مجلس نواب الانقلاب، بعد التخلص من “البدوي”، وسعيه لتحويل أشهر حزب معارض في مصر إلى “حزب الرئيس”، الذي يجمع أصوات المصريين ونواب الانقلاب من أجل تمديد اغتصاب السيسي للرئاسة عبر تعديل الدستور!.

ويمسك نظام السيسي بالعديد من أوراق الضغط على السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، أغلبها تتعلق بقضايا وفساد واختلاسات، وبسببها تحول الحزب إلى داعم للسيسي والانقلاب، وحوّل الحزب العريق إلى حذاء في رجل السلطة.

ومع تراكم ديونه لدى مدينة الإنتاج الإعلامي لأكثر من 20 مليون جنيه، وتراكم مديونيات شركاته “سيجما للأدوية” للبنوك بقرابة 160 مليون جنيه، واتهامه باختلاسات فيما يخص علاقة شركته مع شركات أخرى، وتأكيد البدوي نفسه أن ديون قنوات الحياة تخطت المليار جنيه خلال الفترة الماضية، بدأ ابتزازه.

وكان أبرز ابتزاز له هو إعلان مجموعة «تواصل»، إحدى شركات مجموعة «فالكون» التابعة للمخابرات الحربية، عن شراء شبكة قنوات الحياة الفضائية، في أضخم صفقة يشهدها الإعلام المصري خلال السنوات الأخيرة، بلغت مليارا و400 مليون جنيه.

ورغم انبطاح “البدوي” للانقلاب ودعمه السيسي، لم يشفع هذا له في تحويل رئيس الحزب الجديد “أبو شقة” له إلى النيابة، متهما إياه بانتهاكات مالية ونشر شائعات ضد الحزب على خلفية أزمة ضربت الحزب عقب انتخابات الهيئة العليا لـ”الوفد”، التي أجريت في 9 نوفمبر، ليتنافس الاثنان على الركوع للانقلاب.

رئيس الحزب ونجله يمثلان الديكتاتور!

ومن غرائب الحزب العريق أن رئيسه تحوّل إلى “الممثل السياسي” للديكتاتور، يبرر أفعاله ويدافع عنها، ويجمع الأصوات لبقائه مدى الحياة في كرسي الحكم، ويمرر قوانينه القمعية في مجلس نواب الانقلاب، بينما نجله (محمد أبو شقة) هو “الممثل القانوني” لقائد الانقلاب.

وبدلا من قيامه بدوره كحزب معارض، أعلن أبو شقة عن تحويل الحزب إلى حزب داعم للسيسي والديكتاتورية، وتشكيل حكومة ظل تدعم وتُقدم الخبرات لحكومة السيسي، لا معارضتها وانتقاد أخطاء الانقلاب، ليصبح دوره هو “حزب الرئيس”.

ففي مارس 2018، قال بهاء الدين أبو شقة: إنه يرى عدم الحاجة لوجود تعديل دستوري حول مد فترة الرئاسة، مرجعًا ذلك حتى لا يتم فتح الباب أمام المشككين ودعاة الفوضى، وأن السيسي نفسه أكد أنه متمسك بالدستور ولا يسعى لتعديل مدد الرئاسة، بحسب زعمه.

ولكن “أبو شقة” عاد ليدعم تعديل الدستور وتمديد رئاسة السيسي، بل ويجمع الأصوات له داخل مجلس نواب الانقلاب، ويمهد لتمرير أي تعديل للدستور سيصله كرئيس للجنة التشريعية في نواب الانقلاب.

أيضا شارك “أبو شقة” في خطة السيسي لتأميم الأحزاب ودمجها في حزبين أو ثلاثة يدعمون الانقلاب، وتصفية باقي الأحزاب.

ففي نوفمبر 2017، دعا السيسي الأحزاب السياسية إلى الاندماج فيما بينها، عوضا عن العدد الكبير لها، ملمحا إلى عدم تأثير معظمها في الشارع، أو قدرتها على المنافسة، ما أكد توجه النظام نحو تفصيل الحياة السياسية، وتوزيع الأدوار على الموالاة والمعارضة تحت ولاية الأجهزة الاستخباراتية.

وجاء إعادة طرحه الفكرة في مايو 2018، بعدما حدثت حركة انتقالات واندماجات بالفعل لتعطي الضوء الأخضر لإزالة أي عقبات قانونية في وجه هذا الأمر الرئاسي الذي جاء في صورة أمنية.

ويبدو أن السيسي كلف رئيس حزب الوفد، المستشار بهاء أبو شقة، بالتحرك في هذا السياق ودعم الفكرة وضم الأحزاب الضعيفة الشاردة، بدليل استضافة حزب الوفد يوم 23 مايو 2018 رؤساء مجموعة أحزاب لبحث مسألة الاندماج تحت راية الوفد أيضا، حيث حضر الاجتماع أحزاب التجمع والنور والمحافظين والجيل والغد.

ويبدو أيضا أن ضم العميد محمد سمير، المتحدث العسكري السابق للقوات المسلحة، لحزب الوفد وتعيينه مساعدًا لرئيس الحزب، كان له علاقة بهذا الدور المرسوم لحزب الوفد كي يشكل تحالفا حزبيا ينضم له ليصبح بمثابة حزب المعارضة الرئيسي، بدليل أن الاحزاب التي دعيت للمؤتمر الاخير مصنف أغلبها كأحزاب معارضة.

وجاء إعلان حسام الخولي، نائب رئيس حزب «الوفد»، استقالته من الحزب وانضمامه لحزب «مستقبل وطن»، الذي سيتولى فيه منصب الأمين العام كمؤشر آخر على عملية الإحلال والتبديل بين الأحزاب استعدادًا لفرزها لثلاثة ائتلافات كبرى (حاكم ووسط ومعارض).

وفي الفترة الأخيرة، بدا الحزب وكأنّه تابع بشكل ميكانيكيّ للسلطة ولم يعد معارضا حقيقيّا، وهو ما عمّق من أزمته”، ويقول د. حسن نافعة في تصريحات لموقع “المونيتور”: إنّ التدخّلات الأمنيّة أضعفت الحزب كثيرا، لافتاً إلى أنّ المناخ الحاليّ قاتل للأحزاب السياسيّة، والنظام الحاليّ يريد أحزابا تدين له بالولاء ولن يسمح بوجود أيّ حزب يمارس دورا سياسيّا حقيقيّا.

ويربط محلّلون سياسيون أزمة حزب الوفد بحالة الضعف التي تعاني منها الساحة السياسيّة، وخصوصا الحزبيّة في مصر، حيث تعرض عدد من الأحزاب المصرية البارزة خلال العامين الماضيين لانقسامات مثلما يعاني حزب الوفد الآن، وكما حدث في حزبيّ “المصريّين الأحرار” و”الدستور”، فيما اتهمت أحزاب معارضة النظام الحالي بغلق المجال العام ومنعها من ممارسها حقوقها السياسية.

ويعدّ حزب “الوفد” أقدم الأحزاب المصريّة، إذ أسّسه سعد زغلول لقيادة ثورة المصريّين في عام 1919 ضدّ الاحتلال الإنجليزيّ للبلاد، وتصدّر المشهد السياسيّ بعدها حتّى 23 يوليو من عام 1952.

ولم يسبق لـحزب “الوفد” المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة منذ عام 2005 عندما خاض رئيسه نعمان جمعة المنافسة أمام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبعد ثورة 25 يناير من عام 2011، اكتفى “الوفد” بالمشاركة في الانتخابات النيابيّة ولم يقدم مرشح رئاسي لمواجهة عبد الفتاح السيسي ودعمه في الانتخابات الرئاسية عام 2014 ثم في الفترة الثانية عام 2018.

أحزاب وهمية وموالية للسلطة

ويبلغ عدد الأحزاب في مصر، بحسب الموقع الرسميّ للحكومة المصريّة، 83 حزبا، منها 16 فقط ممثّلة في البرلمان.

وتعاني أغلب الأحزاب والحركات السياسية في مصر من مشاكل بنيوية مختلفة، ما بين الضعف التنظيمي والمؤسسي، وضبابية الرؤية السياسية، وافتقاد الديموقراطية الداخلية، وتمحور بعضها حول شخوص مؤسسيها، وكذلك ضعف تواصلها مع الجماهير، وقلة التمويل والقيود الحكومية عليها التي تمنعها حتى من عقد مؤتمر سياسي في فندق كما يفعل نظام السيسي.

لكن لا يمكن التطرق لهذه المشاكل بمعزل عن المجال السياسي الذي تتواجد فيها، والذي يؤثر بالتبعية في قدرة هذه الأحزاب والحركات على التحرك وخلق أرضية اجتماعية لها، حيث أدى انقلاب 3 يوليه إلى موت السياسة في مصر تماما، وحل الأحزاب القوية مثل “الحرية والعدالة”، والتضييق الأمني على الأحزاب المعارضة، وتدجين الأحزاب التاريخية مثل الوفد والتجمع، والتغلغل داخل الأحزاب المنافسة عبر شخصيات محسوبة على الأمن لشق هذه الأحزاب؛ على غرار ما حدث مع “المصريين الأحرار”، حزب رجل الأعمال نجيب ساويرس، وحزب البرادعي (الدستور) وغيره.

ومّرت عملية تأسيس الأحزاب المصرية التي ظهرت بعد ثورة 25 يناير، بثلاث مراحل شهدت نشأة عدد كبير من الأحزاب، وصل عددها مع الأحزاب القديمة لأكثر من 80 حزبًا.

المرحلة الأولى: أحزاب تاريخية ظهرت قبل ثورة 25 يناير ولا تزال موجودة، ولكنها أصبحت مدجنة وتابعة للانقلاب مثل: الوفد والتجمع والأحرار والحزب الناصري، بجانب قرابة 40 حزبا كرتونيا لا وجود لها.

المرحلة الثانية: عقب ثورة 25 يناير تصارعت على إدارة المشهد السياسي والسيطرة عليه، ما بين إسلامية مثل «حزب الحرية والعدالة»، الذارع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، و«حزب النور» الذراع السياسية لمدرسة الدعوة السلفية بالإسكندرية، بالإضافة لتأسيس أحزاب إسلامية أخرى مثَّلت أذرعا سياسية لجماعات سلفية وجهادية قديمة مثل حزب التنمية والبناء التابع للجماعة الاسلامية.

كما نشأت أحزاب تعبر عن تيارات ليبرالية ويسارية، مثل «حزب المصريين الأحرار» الليبرالي، والذي أسَّسه مجموعة من رجال الأعمال، على رأسهم المهندس نجيب ساويرس، وكذلك حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» الذي ظهر كتعبير عن حزب اليسار العريض، بتعبير مؤسسيه حينها، و«الحزب الديموقراطي المصري الاجتماعي»، الذي كان بالأساس تعبيرًا سياسيًا عن تيار الليبرالية الاجتماعية، وإن ظهر في داخله بشكل واضح تيار يسار ديموقراطي.

ثم جاءت الموجة الثانية من الأحزاب، والتي نشأت بعد الثورة، هي التي يمكن أن يطلق عليها «أحزاب الحملات الرئاسية» والتي ظهرت في عام 2012 على أنقاض الحملات الرئاسية لبعض مرشحي الرئاسة، مثل أحزاب «الدستور» و«مصر القوية» و«الحركة الوطنية المصرية»، والأخير أسَّسه الفريق أحمد شفيق، مرشح الرئاسة الأسبق، وآخِر رئيس وزراء في عصر مبارك.

أحزاب المؤسسات الأمنية

وشهدت الحياة السياسية بعد انقلاب 3 يوليو، ظهور عدد من الأحزاب الجديدة المحسوبة أو القريبة من مؤسسات أمنية مثل «حزب مستقبل وطن»، وحزب «فرسان مصر»، وحزب «حماة وطن».

والأخير أسسته مجموعة مختارة من الجنرالات المتقاعدين، من بينهم: الفريق جلال محمود هريدي، مؤسس سلاح الصاعقة المصرية، واللواء فؤاد عرفة، مستشار مدير المخابرات الحربية السابق، واللواء حسام أبو المجد وكيل جهاز المخابرات الأسبق، وحاز هذا الحزب رغم حداثة تأسيسه على المركز الرابع في انتخابات البرلمان الحالي، حيث حصد 17 مقعدًا داخل المجلس، كان من بينهم 7 من جنرالات الجيش السابقين.

وعقب التغييرات الجذرية التي شهدتها الساحة السياسية في مصر في 3 يوليو 2013 تصدرت المؤسسة العسكرية المشهد مرة أخرى، وفرضت نفسها كفاعل وحيد ومهيمن، وسعي المجلس العسكري أن يكون حاضرًا في الخلفية كحافظ للنظام، ومراقب لمسار العملية السياسية.

Facebook Comments