تنفق على أبنائك عشرات الآلاف من الجنيهات خلال العملية التعليمية، وتعاني أسرتك كلها الأمرين من أجل استكمال الحلم في تخرج الأبناء من الجامعة، حتى يتحملوا العبء مع الأب، في أن يتكفل كل ابن بمستقبله بعد شق أول طريق للعمل، وفجأة تنهار الأحلام، ويتبدد الجهد المبذول، ويتحول لأنين وأوجاع ضريبة الواقع المر من جلوس هذا الابن في البيت، نتيجة عدم وجود واسطة للالتحاق بأي وظيفة حكومية، فضلا عن اختصار البدائل في وظائف كأنها صنعت خصيصا للفقراء، مهما بلغت جهودهم، وتزينت شهادتهم بأعلى درجات التفوق.

معاناة بدون نهاية

فبمجرد الانتهاء من المسيرة الدراسية الطويلة، يجد الشاب نفسه على أعتاب مسيرة جديدة في البحث عن العمل، وفي دولة كمصر، تصل معدلات البطالة بها إلى 10.6% وتزداد لنحو 24.5% بين الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، فيجد الشاب نفسه أمام وظائف ثلاث لا بديل عنها حتى ولو كان حاصلا على الدكتوراه، وهذه الوظائف هي: كول سنتر – موظف أمن – مندوب مبيعات.

وأنت تسير على الطريق، ستجد هذه العبارة بكثرة على جدران الشركات والمصالح الحكومية والمدارس، وتقول العبارة: ” مطلوب فورا موظفين أمن ومحاسبين للعمل بمؤهلات أو بدون للعمل في كبرى الشركات بمقابل مجزي يبدأ من 2000 جنيه وعمولة”.

هكذا تبدأ الحكاية التي يتعرض لها الكثير من الشباب يوميا في رحلة الطريق وهو يبحث عن نصف فرصة عمل يرفع بها الحمل عن كاهل والده، ولا يكاد يمر يوم عليه حتى ونرى إعلانات توظيف وملصقات غريبة تأتي بين الحين والآخر، إلا أن النهاية تتضح في نهاية الأمر وتكون الوظيفة المتاحة “موظف أمن”، وكأن مصر تحولت كلها إلى رجال أمن حيث لا يشترط في ذلك التخصص في حمل السلاح مثلا، فالإعلان يطلب شباب من كل المؤهلات وبدون مؤهلات أيضا.

موظف أمن لكل مواطن

ومع ذلك إما أن يستمر الشاب في البحث عن تلك الوظيفة المثالية التي تتناسب مع مجال تخصصه وتحقق له الرضا المعنوي والمادي، وإلى أن يتحقق ذلك سيحصل على لقب عاطل، أو أن يقبل بوظيفة في غير مجال تخصصه ذات أجر ضعيف لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع الظروف الاقتصادية الحالية والارتفاع المستمر بالأسعار، وحينها تبدأ المعاناة المالية.

يقول “محمد . ر” في تصريحات خاصة لـ “الحرية والعدالة” إنه يستقيظ كل يوم من الساعة السادسة صباحا ليبحث في القاهرة عن فرصة عمل واحدة، تناسب تخصصه كخريج كلية العلوم، ومع البحث لم يجد سوى الرضوخ لإحدى وظائف المولات، فعمل موظف أمن براتب ألف وخمسمائة جنيه، إلا أنه أوضح الطامة الكبرى.

يقول إنه يسكن في حي القلعة بشارع الحطابة، ويذهب كل يوم لمول لم ير ذكر اسمه في مدينة العبور، ولكي يركب يقوم قبل موعد العمل بثلاث ساعات حتى يتجنب الخصومات، وينفق ذهابا وإيابا 40 جنيه، ويأكل بأكثر من 10 جنيهات، ليكون المجموع 50 جنيها يوميا.

ومع ما ينفقه يفاجأ محمد بأنه لا يتبقى من راتبه شيء ي للمساهمة في زواجه، سوى 300 جنيه يأخذهم كحوافز على راتبه في نهاية الشهر.

ويضيف أنه يبحث عن فرصة عمل أخرى بجانب عمله، إلا أن بعد المشوار والمسافة والجهد المبذول لا يسمح له بأي عمل إضافي ليموت حلمه يوميا أمام ظروفه القاسية.

إعلانات مضللة

أن تلجأ إلى الخيار الثالث فتقبل بعمل خارج مجال تخصصك لكنه يوفر إلى حد ما راتبا يكفي لتلبية متطلباتك الأساسية.

حسام خ، أحد ضحايا إعلانات التوظيف غير الشرعية، يحكي بقية قصة الكفاح وانهيار الحلم، متذكرا ما تعرض له منذ شهور معدودة.

يقول حسام: “أتنصب عليا والآخر طردوني من الشركة بعد سنة شغل” مشيرا إلى أنه مثله مثل باقي الشباب الحالمين أراد أن يوفر لنفسه دخلا ماديا مجزيا، وحينما تقطعت به السبل ولم يجد عملًا يطمح إليه، وجد إعلانا داخل مترو الأنفاق يطلب شباب خريجين وأصحاب مؤهلات وبدون للعمل كموظف أمن داخل أحدى الشركات في منطقة القطامية بالقاهرة، لافتا إلى أنه بالفعل ذهب للعمل ولكنه فوجئ بأن متطلبات العمل تحتاج منه أن يعمل لمدة 12 ساعة كاملة في اليوم الواحد، مع ضرورة أن يتوقف في المنطقة المخصصة له ولا يتحرك منها لحراسة مقر الشركة وكل ذلك بمبلغ لا يتجاوز 2000 جنيه.

ولفت أنه بعد أن قضى 3 أشهر في العمل لم يستطع الاستمرار فيه نظرا لصعوبته ولبحثه عن عمل آخر وخاصة بعد أن أدرك أن قانون العمل ينص على أن أقصى عدد ساعات للعمل 10 ساعات وهو ما جعله يشك في الشركة وفي كونها غير مرخصة، وتنصب عليه وبالفعل حدث ذلك حينما تفاجأ بأن الشركة تستغنى عن خدماته داخلها بعد حوالي نصف شهر من الشهر الرابع ولم يأخذ مستحقاته منها بعد بحجة تعثرها ماليا، قائلا: “أنا حمدت ربنا أني خلصت من الشركة ومن قرفها واني أحسن من غيري كتير اللي اتنصب عليهم وخدوا 1500 جنيه أو أقل”.

ويضيف أحمد بدير، أحد الضحايا، حوار الشركات دي نصب ف نصب، لافتا إلى أنه من ضمن الشباب الذين قرأوا إعلانًا عن شركات توظيف تطلب موظفين أمن وحينما اتصل بالرقم الملصق بالإعلان طلبوا منه الحضور إلى مقر الشركة بالمعادي، لافتا إلى أنه قام بملء أبليكيشن بـ 30 جنيها، وأجرى مقابلة معهم أكدوا له أنه مقبول وسيتم الاتصال التليفوني به لتحديد موعد عمله بالشركة، لافتا إلى أنه لم يكمل في الموضوع وخاصة أنه ارتاب في الأمر برمته بعد أن طلبت منه شركة التوظيف مبلغ 300 جنيه وأدرك أنه شغل سمسرة كاذبة.

كول سنتر

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، يتجه الكثير من الشباب وخريجي الجامعات إلى الخيار الثالث، فما يجد أمامه إلا وظائف الكول سنتر التي تزخم بها الإعلانات في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن هل قبوله لتلك الوظيفة يعني انتهاء المعاناة؟ لنلقي إذن نظرة على واقع العمل بتلك الوظائف.

في حديثها خلال تصريحات صحفية، تروي (م.أ)، خريجة اقتصاد وعلوم سياسية، أنها كمعظم الشباب وجدت أن فرص العمل بمجال تخصصها صعبة، فما كان منها سوى القبول بهذه الوظيفة حتى يمكنها رفع العبء عن أهلها والهروب من لقب عاطل.

بالفعل أجريت مقابلة بشركة تعمل لصالح شركة اتصالات كبرى بمصر، وتم قبولي وتلقيت تدريبًا حتى تسلمت العمل. سمعت كثيرًا عن صعوبة هذه المهنة ووجود مضايقات من بعض العملاء، ولكن لم أتصور أن يصل الأمر إلى رد عميل على سؤالي كيف يمكنني مساعدتك بقوله يمكنك أن تساعديني بأن تحضري إلى منزلي، سأعطيك أضعاف مرتبك، وإلى غير ذلك من حديث مبتذل. وبالرغم من طلبي منه الالتزام بسياق الحديث وتحذيري له إلا أنه استمر على وتيرته هذه فما كان مني إلا إغلاق المكالمة رغم علمي أن ذلك يمكن أن يتسبب بفصلي من العمل، ولكن فليحدث ما يحدث.

على الجانب الآخر، تشير (ف.م)، خريجة تجارة، إلى أنها بدأت رحلتها في البحث عن العمل بالتقديم في العديد من الشركات والبنوك، لكنها اصطدمت بـالواسطة والـكورسات التي يتطلبها أي عمل، وفي ظل افتقادها لمال يكفيها للحصول على تلك الكورسات، اضطرت للعمل بخدمة العملاء لتوفير هذا المال، مقابل راتب 1800 جنيه.

وخلال عملها بهذه المهنة تعرضت لحالات تحرش عدة كان أبرزها قيام متصل بإسماعها مقاطع من أفلام جنسية خلال المكالمة وتطاوله بالتحدث بشكل جنسي بحت، كما تؤكد تكرار قيامه بالأمر ذاته مع عدد من زميلاتها بالعمل.

مضايقات مستمرة

وقالت (ر.ح)، خريجة تجارة أيضًا إلى تعمد عدد من العملاء الاتصال لمجرد المضايقة، وتضرب مثالًا على ذلك بسؤالها لعميل عن استفساره، فكان رده عليها بالغناء والطلب منها معرفة إلى أي إعلان تنتمي هذه الأغنية. استمر الوضع على هذا الحال قرابة النصف ساعة، وهي تحاول أن تنهي معه المكالمة، فما كان منه بالنهاية إلا أن وجه لها السباب، وطلب منها تحويله للمدير ليقدم شكوى بها.

الأمر لا يقتصر على تلك المضايقات فهناك الكثير من الصعوبات المتعلقة بفقدان الرصيد وعدم وجود إمكانية لتعويض العميل ببعض الشركات، وهناك خدمات لا يمتلك موظفو خدمة العملاء الصلاحية لإلغائها أو تفعيلها، إلا أن غالبية العملاء لا يقتنعون بالأمر ويصبون جم غضبهم على الموظفين وكأنهم هم من يتحكمون بالشركة وقواعدها، والمطلوب منهم بالنهاية تحمل كل هذا الغضب بما يحمله من ألفاظ نابية في مقابل ضرورة الالتزام بالهدوء!.

مندوب مبيعات

ولا يتبقى في وظائف الفقراء سوى وظيفة مندوب المبيعات، الذي يتم النصب فيها على الشباب بالإعلان عن وظائف برواتب مجزية، وما أن يذهب المغدور به، إلا ويفاجأ بالفاجعة، وهو أن الوظيفة هي مندوب مبيعات لشركة مفكات وأقلام، يذهب معها الشاب خريج الجامعة والفتاة، يبحثون على المقاهي عن الزبون الذي سيرأف بحالتهم، ويشتري منهم، إلا أن الكارثة الأكبر للفتيات، هي التحرش بهن، فهناك من يتعدى عليها بمسك أحد أعضاء جسمها، وهناك من يطلب منها أنم تصعد معه لبيته ليعرض بضاعتها على زوجته، ثم تفاجأ بالكارثة والتعدي عليها جنسيا.

وتستمر معاناة الشباب في زمن عبد الفتاح السيسي، ما بين بؤس وبطالة، لا يجد معها الفقراء سوى الرضوخ لسياسة الأمر الواقع، ولكن دائما ما يكون على حساب بطنهم وعرضهم ومستقبلهم.

رابط دائم