“الكفاح المسلح ضد إسرائيل أو ضد الوجود الاستيطاني في فلسطين وضد الاحتلال البريطاني لم يتوقف على طول الخط، بس كان ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ويتغير حسب الظروف، كان فيه عندنا مقاتلين من الإخوان من مصر، ومتطوعين بقيادة الشهيد أحمد عبد العزيز”.. تلك كانت آخر كلمات سجلها الشيخ الشهيد أحمد ياسين في برنامج “شاهد على العصر” الذي بثته قناة “الجزيرة” الفضائية، وفي ثنايا كلماته تظهر مصر بوضوح في مواجهة العدو الصهيوني، فهل هذا ما أثار الرعب في كيان العدو وجعلهم يعجلون بانقلاب رجلهم السفيه عبد الفتاح السيسي؟

يوافق اليوم 22 مارس ذكرى استشهاد شيخ المقاومة الفلسطينية الشيخ “أحمد ياسين”، ويرى مراقبون أنه بعد مرور 14 عامًا على اغتيال شيخ المقاومة، أنه حان الوقت لحلول جذرية بعد موجة الثورات المضادة ضد الربيع العربي، أدناها التعامل مع إسرائيل كعدو، وفتح كل أنواع الدعم الشعبي للفلسطينيين بالمال والسلاح والصواريخ، وعندئذ سيكون بمقدور المقاومة الفلسطينية أن تخلق توازنًا يربط أمن العمق الفلسطيني بأمن العمق الصهيوني، ووقف كل أشكال بيع المنطقة للاحتلال كما يحدث في سيناء التي تبتلعها صفقة القرن ومشروع نيوم، وكما حدث مع جزيرتي تيران وصنافير المصريتين.

وبات سؤال آخر على الصعيد الشعبي: هل يجدي الخروج والتظاهر ومطالبة الحكام باتخاذ مواقف جادة تجاه إسرائيل ولو أدى ذلك إلى سقوط ضحايا؟ ولو أنك كنت في مكان أي صاحب قرار سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي؛ ما الذي يمكن أن تقوم به لوقف تمكين الصهاينة من البلاد العربية عبر وكلائها في السعودية والإمارات ومصر؟!

اغتيال

فجر الإثنين 22 مارس 2004، وجهت طائرات إسرائيلية 3 صواريخ أباتشي استهدفت أحمد ياسين، الذي كان عائدًا من أداء صلاة الفجر في مسجد “المجمع” القريب من منزله بغزة، والنتيجة “استشهاد” الشيخ المقعد رفقة 7 من مرافقيه.. اليوم وبعد 14 عامًا من الحادث بات أحمد ياسين “أسطورة” الفلسطينيين ورمزًا ذهبيًا من رموز المقاومة والكفاح الفلسطيني.

ويأتي تخليد الفلسطينيين لذكرى اغتيال أحمد ياسين، بعد أيام من قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالانسحاب كليًا من قطاع غزة وإلقاء أعباء الحكم على حركة حماس، ردًّا على مسرحية استهداف موكب رئيس الحكومة رامي الحمدالله الأسبوع الماضي، التي دبرها عباس مع حليفه السفيه عبدالفتاح السيسي، أثناء وجود وفد أمني للانقلاب لبحث عملية المصالحة بين فتح وحماس، وترفض الأخيرة اتفاق القرن الذي وقعه السفيه السيسي مع ترامب ونتنياهو بتوسعة غزة على حساب مناطق من شمال سيناء، وجعلها وطنًا بديلاً لفلسطين، والتنازل عن كامل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس المحتلة.

فيما يقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور زيد خضر: “نم قرير العين أيها الشيخ الجليل فأبناؤك لا يزالون يحملون الراية ويقاومون برغم الصعاب وكثرة الشهداء والمعتقلين، ففلسطين تستحق كل التضحيات لن نلتفت أيها الشيخ لمن يهاجمون المقاومة، ويفرطون بفلسطين وبيت المقدس ويتآمرون على قضيتنا، فهم غثاء كغثاء السيل وسيُلقى بهم إلى مزابل التاريخ”.

وتابع: “يا شيخنا المجاهد إن طائرة الأباتشي الصهيونية التي ألقت عليك 3 صواريخ وأنت عائد من صلاة الفجر فارتقيت إلى جنات الخلد، لا تزال تحلق فوق رؤوسنا وتحصد أرواح شبابنا، لكننا سنسقطها بإذن الله ونحرقها فوق رأس من أرسلها وسنحرر بلادنا، مستمدين العون من الله ثم من صمودكم وجهادكم وتضحياتكم.. وإنه لجهاد نصر أو استشهاد “.

قصة محنة وكفاح

ولد الشيخ أحمد ياسين في قرية جورة عسقلان بفلسطين عام 1936، وشهد النكبة الفلسطينية وعمرة 12 سنة وهاجر مع المهاجرين إلى غزة التي عاش واستشهد فيها، رأى الشيخ وعايش ظلم اليهود وجبروتهم واغتصابهم لأرض فلسطين، وتدنيسهم المقدسات، وقتل النساء، وإحراق الأطفال، واعتقال المجاهدين، ورأى الدول العظمى تنصر المحتلين ولا تلتفت إلى الضعفاء والمظلومين أهل فلسطين.

اعتقلت السلطات الصهيونية الشيخ المقعد الذي يسير على “كرسي متحرك” أكثر من مرة، فكان يخرج من سجنه أكثر صلابة وإيمانًا بعدالة قضيته المقدسة، فآمن الشيخ بالمقاومة طريقًا للتحرير واسترداد الأرض والمقدسات والكرامة، فأنشا عام 1987 مع بعض رفاقه حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي أصبحت رمزًا للجهاد والمقاومة في فلسطين وفي العالم كله.

اعتقاله والإقامة الجبرية

بعد ارتفاع عمليات قتل جنود الاحتلال وتصفية العملاء المتعاونين مع المحتل الصهيوني، قامت السلطات الإسرائيلية يوم 18 مايو 1989 باعتقاله مع المئات من أعضاء وقيادات حركة حماس، وصدر حكم يقضي بسجن ياسين مدى الحياة، إضافة إلى 15 عامًا أخرى عليه في يوم 16 أكتوبر 1991، بسبب تحريضه على اختطاف وقتل الجنود المحتلين وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس.

بعد ثمانية أعوام من الاعتقال، أي في فاتح أكتوبر 1997، أطلق سراح ياسين وأبعد إلى الأردن، بتدخل شخصي من العاهل الأردني الراحل حسين بن طلال، فيما فرضت السلطة الفلسطينية أكثر من مرة على أحمد ياسين الإقامة الجبرية؛ بسبب خلافات “حماس” السياسية مع السلطة.

استشهاده واغتيال الرنتيسي

صبيحة يوم الأحد 21 مارس 2004، أي قبل 24 ساعة على اغتياله، التزم الشيخ المنزل، وظل في حالة صحية بالغة الصعوبة، ولاحظ مرافقوه طوال النهار نشاطا غير عادي لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية بدون طيار فوق حي “الصبرة” مكان إقامة ياسين، ليتقرر نقله إلى مأوى آخر بعد أداء صلاة العشاء في مسجد “المجمع الإسلامي”، الذي قرر البقاء فيه معتكفًا حتى صلاة الفجر.

وقبيل لحظات من إطلاق الصاروخ القاتل، التفت أحد مرافقي ياسين إلى أحد جيرانه ليسأله، وما أن استدار ثانية حتى كان صاروخ “الهيل فاير” الأول يخترق بطن الشيخ، لتنفذ بذلك قوات الاحتلال عملية الاغتيال الكاملة التي أرشف عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، بإطلاق 3 صواريخ تجاه أحمد ياسين، الذي قضى نحبه عن سن ناهز 65 عامًا، رفقة 7 من مرافقيه ومصلين.

واختارت حركة حماس عقب اغتيال الشيخ ياسين الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، ليقود مسيرتها في قطاع غزة، غير أن هذه الولاية لم يمض عليها أكثر من 25 يومًا، حتى سابقت حكومة شارون إلى اغتيال الرنتيسي في 17 أبريل من السنة ذاتها.

رابط دائم