الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

من يتابع الخطاب الرسمي، والإعلامي، الصادر عن نظام عبد الفتاح السيسي، هذه الأيام، يتصوّر أن مصر كلها صارت من”الإخوان المسلمين”.

دعك من أسراب الحشرات الإلكترونية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني، وتهاجم كل منتقد بالتهمة الجاهزة “إخواني إرهابي”، فهذه مسألةٌ مفروغٌ منها، باعتبارها النكتة السمجة التي لم تعد تضحك أحدًا.

في أعمدة الصحف، واستوديوهات الفضائيات، ومذكّرات الأمن وتحقيقات النيابات، باتت كل أشكال الاحتجاج والمعارضة والنقد دليلًا كافيًا لاتهام أصحابها بأنهم تابعون للإخوان، أو على الأقل عملاء متعاونون معهم، بدءًا من رئيس الأركان السابق، سامي عنان، وحتى نائب أول رئيس لسلطة الانقلاب، محمد البرادعي، مرورًا بحمدين صباحي ومعصوم مرزوق ويحيى القزّاز، وقبل ذلك القيادي في حركة الاشتراكيين الثوريين، هيثم محمدين، وحازم عبد العظيم ووائل عباس، وآلاف من الناشطين السياسيين، داخل الزنازين وخارجها، كلهم، بحسب التصنيف المعتمد لدى أجهزة نظام السيسي، إرهابيون وخونة وطابور خامس، ينفذون تعليمات الإخوان.

ليست هذه اللوثة وليدة الحاضر، فقد بدأت مبكّرًا للغاية، بعد شهور من صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، مستهدفةً، في المقام الأول، كل من شارك في ثورة 25 يناير في العام 2011، باختراع ما عرفت بالقضية 250 التي جرى التلويح بها في وسائل الإعلام المختلفة على ألسنة قيادات أمنية سابقة، منها شخصٌ يدعى اللواء وليد النمر، قدّمته صحيفة الوطن السيسية بوصفه “القيادى السابق في واحد من أهم الأجهزة السيادية في مصر، وهو جهاز المخابرات الحربية، ليتوعد كل من شارك في ثورة 25 يناير بأن “اسمه مكتوب” في القضية رقم 250 .

وبلهجةٍ قاطعةٍ، أفصح رجل المخابرات عن أن “كل من اشترك أو ساعد أو دعم في هدم البلد من بداية ثورة 25 يناير 2011، اسمه وارد في هذه القضية، وسيُحاسب، ومصر هتاخد حقها منه، ومش معنى أنهم متسابين لحد دلوقتي أنهم مش هيتحاسبوا كويس أوي”.

الخطاب ذاته هو المعتمد في كل برامج التوك اليومية، ما بين مذيع يلقّن بالرسالة الأمنية على الهواء مباشرة، فيعلن “كل اللي كسر كباية هيتحاسب”، ونائب برلماني يطالب بشنق كل من يطالب بإبعاد العسكر عن السلطة.

ثم تتمدّد هذه اللوثة إلى خارج الحدود لتشمل الكرة الأرضية كلها، وتأخذ في طريقها كل من يبدي رأيًا أو موقفًا في التراجيديا السياسية المصرية، من أخ أوباما إلى جون ماكين الذي اكتشف الإعلام المسعور في دولة السيسي فجأة أنه كان المرشد الفعلي للإخوان.

والشاهد أن هذا الخطاب ليس اجتهادًا إعلاميًا أو نيابيًا، بل هو ترجمةٌ حرفيةٌ لما يردّده عبد الفتاح السيسي، كلما أمسك بميكروفون، واصفًا ثورة يناير بالمؤامرة التخريبية الفوضوية، بيد أن”اليناير فوبيا” تتفاقم الآن لتعتبر كل من انتمى للثورة إخوانيًا، ليرفع الستار على مشهدٍ غارقٍ في الكوميديا السياسية، تقول مفرداته إن النظام الذي يبتزّ الجماهير بأنه خلصهم من حكم الإخوان هو نفسه الذي يصبغ كل أشكال النقد والمعارضة والاحتجاج ضده باللون الإخواني الفاقع، وكلما شحبت الصبغة، أضاف عشرات الأسماء الجديدة إلى قوائم المتأخونين.

باختصار شديد، يجتهد نظام السيسي في صياغة معادلات جديدة تقول: كل معترضٍ إخواني، وكل منتقد خلية أخوانية نائمة، وكل تعبير عن السخط والتململ الشعبي من الفقر الاقتصادي والقمع الأمني هو صناعة إخوانية، يستوي في ذلك تظاهرة غاضبة في قرية، أو جملة عابرة في مقال صحافي تحمل انتقادًا، أو كلمة في برنامج تلفزيوني تتضمن نصيحةً أو تصويبًا لخطأ، فتستمر مفرمة الإقصاء والإبعاد لإعلاميين فقدوا بعض لياقتهم الفاشية.

على أن هذه الهستيريا تقدّم الدليل بعد الآخر على أن هذه السلطة من الهشاشة بحيث تخيفها قطرة مطر أو نسمة هواء.
========
نقلا عن “العربي الجديد”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم