لم يتصور أحد أن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، يمكن أن يقوم بتسريح الإعلاميين المؤيدين له، رغم حاجته إليهم في تدوير ماكينة الكذب التي لا تتوقف عن تضليل الغلابة بإنجازاته الوهمية وتحمل الشعب والمؤامرة الكونية ضد مصر وأن قطار التنمية بدأ في الانطلاق؛ رغم أن الجميع في مصر يعلم أن البلاد تسير نحو الهاوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وبعد غلق كل القنوات الرافضة للانقلاب ثم المعارضة للسيسي، بدأ غلق القنوات المؤيدة له أيضا، حيث قام بتسريح العشرات من الشخصيات التي كانت تنافقه ليل نهار، آخرهم لميس الحديدي، وسبقها إبراهيم عيسى وخيري رمضان ووائل الإبراشي وجابر القرموطي وتامر أمين وتامر عبدالمنعم وعزمي مجاهد، وقبلهم إبعاد محمود سعد ومنى الشاذلي عن السياسة، إضافة إلي إغلاق قناة الفراعين، و”LBC” و”أون الإخبارية”، والسعي إلى إعادة هيكلة الإعلام لأنه لم يعد يتحمل المحتوى السياسي على الفضائيات المصرية نهائياً على الرغم من تأييدها المطلق للسيسي.

وأشارت قناة “الجزيرة” في برنامجها “مصر لايت” إلى المجزرة الإعلامية التي نفذها نظام السيسي ضد كل الأعلاميين المؤيدين له، دون أية أسباب، حتى أن عددا من المقربين من النظام نفسه لم يفهم سر تسريح هؤلاء الأعلاميين جميعا رغم حاجة النظام لهم.

وأشارت مصادر خاصة كانت تعمل بالشؤون المعنوية بالقوات المسلحة أكدت في تصريحات خاصة لـ “الحرية والعدالة” أن السيسي لا يثق في أحد من الإعلاميين الموجودين على الساحة، نظرا لتعدد أجنداتهم، وعمالتهم لبعض الأجهزة الأمنية القديمة، موضحا أن السيسي يعلم جيدا ارتباط هؤلاء الإعلاميين لفترة كبيرة بالأجهزة الأمنية القديمة، وبالتالي هو لا يثق فيهم بشكل كبير، بل يضع أعينه عليهم، نظرا لنشأة هؤلاء في كنف أجهزة مبارك، وبالتالي لا يضمن ولاءهم مائة في المائة.

وأضافت المصادر أن “لميس” تم منعها من استكمال برنامجها على قناة “سي بي سي” رغم الإعلان عن انتهاء إجازتها وعودتها للعمل، نتيجة ارتباط لميس بأجهزة نظام مبارك، والعمل ضمن أجندة بعض رجال أعمال الحزب الوطني، كما أن لميس كانت من بين الفريق الانتخابي لجمال مبارك، وهذه الخلفية التي كانت تعمل بها تثير بعض الشكوك حولها مع رجل لا يثق إلا في نفسه مثل السيسي.

تعددت الأسباب

وتابع: “هناك أيضا شخصيات مثل لميس لا يثق بهم السيسي، مثل تامر أمين لعمله ضمن أمن الدولة بعصر مبارك، وتامر عبد المنعم الذي يعتبر من أبناء مبارك وقربه الشديد من الرئيس المخلوع جعله محل ارتياب من السيسي، كما أن خيري رمضان وعمرو أديب ويوسف الحسيني وأماني الخياط، كلهم من الحرس القديم في الإعلام الذي كان يعمل بأوامر حبيب العادلي ورجال الحزب الوطني.

وأشارت المصادر إلى أن السيسي يعرف جيدا أن هؤلاء الإعلاميين لا يتحركون إلا بالمال، وليس بالولاء والأيدولوجيات، موضحا أن السيسي كان يراقب كل تحركاتهم بشكل شديد، وصل لمراقبة هواتفهم النقالة وبيوتهم وتحركاتهم وضيوفهم، حتى إن اهتمام النظام بمراقبتهم كان أكثر من مراقبة رموز المعارضة ذاتها.

وشددت المصادر على أن هناك تخوف من استغلال هؤلاء الإعلاميين في أي حراك ضد السيسي، حال حدث ذلك مستقبلا، نتيجة ارتباط هؤلاء برؤوس الاموال ورجال أعمال وجهات خارجية، فضلا عن كون السيسي يرى أن هؤلاء أصبح لا مصداقية لهم بالنسبة للشعب المصري رغم المليارات التي يتحصلون عليها كأجور ومصروفات لا تؤتي ثمارها مع فشلهم، وبالتالي التضحية بهم أجدى نفعا مع التحفظات التي توضع عليهم.

مجزرة في إذاعة القرآن الكريم

من ناحية أخرى، تطرق تقرير قناة “الجزيرة” إلى المجزرة التي حدثت في إذاعة القرآن الكريم، وتم فيها نقل الإعلامي شحاتة العرابي وحمزة المسير وعدد من الإعلاميين والإذاعيين الكبار بالإذاعة، فضلا عن وقف عددمن البرامج المهمة التي تقوم عليها المحطة الأكثر استماعا في مصر.

كما أوقفت سلطات الانقلاب عشرات البرامج التاريخية من إذاعة القرآن الكريم، على رأسها برنامج” خواطر الإمام الشعراوي في تفسير القرآن الكريم”. جاء ذلك بعد انتشار فيديو للشيخ الشعراوي يدافع فيه خلال إحدى حلقاته لتفسير القرآن الكريم عن صاحب الظلال الشيخ الشهيد سيد قطب.

وصدرت قرارات إدارية بوقف عدة برامج مهمة تقدمها إذاعة القرآن الكريم أشهرها برنامج “الأزهر جامع وجامعة”، و”من تراثنا الإذاعي”.. ونقل عدد من مذيعيها العمالقة لإذاعات أخرى، أشهرهم: إبراهيم خلف، شحاتة العرابى، علاء العرابي، عبد الخالق عبد التواب، حمزة المسير. وفي ظروف غامضة اتخذت شبكة القرآن الكريم مؤخرا عددا من القرارات الإدارية المهمة الأخرى، التي تؤثر سلبا على شعبيتها. وسبق أن تم اعتقال الإذاعي القدير محمود خليل بتهمة الانتماء للإخوان.

إحكام السيطرة

من ناحية أخرى، كشف تقرير صحفي أن نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، بدأ في اتخاذ الخطوات النهائية لإحكام سيطرته على الإعلام المرئي في البلاد، من خلال ذراعه “شركة إعلام المصريين”، التابعة للأجهزة الأمنية، التي تتوسع في شراء الشبكات التلفزيونية، بعد أن تأسست قبل ثورة 25 يناير 2011، وامتد نشاطها بعدها.

وآخر الصفقات تمثلت في استحواذ مجموعة “إعلام المصريين” المملوكة لشركة “إيجيل كابيتال”، على مجموعة “فيوتشر ميديا”، الشركة المالكة لشبكة قنوات “سي بي سي”، موضحا أن ما شهدته القناة خلال الأيام الماضية، من تغييرات غير متوقعة، بعد منع لميس الحديدي من الظهور في برنامجها، يؤكد سيطرة الشركة على القناة. وأشارت إلى إعلان الحديدي عن عودتها للظهور على فضائية “سي.بي.سي” بعد انتهاء إجازتها السنوية لتقديم برنامج “هنا العاصمة”، وإطلاق القناة برومو عبر «يوتيوب» عن عودة البرنامج من جديد، إلا أنها تغيبت ولم تظهر على الشاشة.

ولم تتوقف صفقات “إعلام المصريين” على “سي بي سي”، بل سبق أن اشترت قنوات “الحياة”، المملوكة لرئيس حزب الوفد السابق، السيد البدوي، وبدأت في التعاقد مع إعلاميين للعمل في القناة. وأعلن تامر مرسي، رئيس مجلس إدارة شركة “إعلام المصريين”، يوم الأربعاء عن التعاقد مع توفيق عكاشة، لتقديم برنامج على قناة “الحياة” لمدة 3 سنوات، ونشر صورة له برفقة عكاشة، وياسر سليم، نائب رئيس “إعلام المصريين”، عبر حسابه على موقع “انستجرام”.

كما تعاقد مرسي مع الإعلامية لبنى عسل، الإثنين الماضي، للانضمام إلى شبكة قنوات «الحياة» لمدة 3 سنوات، لتقديم برنامج التوك شو الرئيسي للقناة وهو «الحياة اليوم»، كما تعاقد مع المحامي والإعلامي خالد أبو بكر لمدة 3 سنوات، على تقديم البرنامج نفسه «الحياة اليوم».

وبعد شراء قنوات الحياة و«سي بي سي»، بلغ عدد الصحف والمواقع والقنوات التي تمتلكها الشركة 20 موقعا وقناة وشركة، تعمل في مجال الإعلام.

تأميم الإعلام

وتتضمن قائمة المواقع والصحف والشركات التي تمتلكها «إعلام المصريين»، التابعة للمخابرات، صحيفة وموقع «اليوم السابع»، الذي تأسس عام 2008، وجريدة «صوت الأمة»، التي تأسست عام 1984 ثم توقفت عن الصدور عام 1994، قبل عودتها عام 2000، ومجلة «عين» التي تأسست عام 2003، ومجلة «إيجيبت توداي» التي تصدر باللغة الإنجليزية، وصدرت لأول مرة في عام 1979، ومجلة «بيزنس توداي» التي تهتم بالشأن الاقتصادي، وموقع «انفراد، الإخباري، وموقع «دوت مصر»، وشركة «بريزنتيشن سبورت»، إحدى أشهر وأكبر الوكالات العاملة في مجال تسويق الحقوق الرياضية في مصر، التي أسست عام 2009. وتمتلك الشركة أيضاً شركات «مصر للسينما»، وهي متخصصة في الإنتاج سينمائي، و «سينرجي» للإنتاج والإعلان، تهتم بالإنتاج السينمائي والتلفزيوني، و«أي فلاي»، وتعتبر من أولى الشركات التى يمتلكها القطاع الخاص المصري، التي تقوم بتسيير رحلات طيران منتظمة وغير منتظمة أو عارضة، تأسست عام 2008.

كما تمتلك “إعلام المصريين” شركات «بي أو دي» المتخصصة في العلاقات العامة، و«هاشتاج»، التي تهتم بالتسويق عبر مواقع السوشيال ميديا، و«سبيد» المتخصصة في التصميم والجرافيك والتسويق الرقمي، و «إيجيبشان أوت دور» المتخصصة في إعلانات الطرق، وشركة «داينو» التي تهتم في مجال تنظيم الأنشطة التسويقية الشركات. كما تمتلك مجموعة من الشبكات التلفزيونية، أهمها «الحياة» و«العاصمة»، وشبكة «قنوات أون». وكانت وكالة أنباء “الأناضول” نقلت عن خبير بالإعلام والسياسة، ثلاثة أسباب لتفسير ما يشهده سوق الإعلام المصري، وهي: تغيير الوجوه المستهلكة، والتمهيد لسياسات جديدة، والعامل المادي بشأن هؤلاء الإعلاميين. وقال إن “الخريطة الإعلامية ستشهد، خلال الفترة المقبلة، تغييرات لصالح توجهات جديدة من شأنها صناعة نجوم جدد، والإكثار من برامج المنوعات، ودمج قنوات”.

 

رابط دائم