يبدو أن فواتير الانقلاب العسكري التي باتت عليه تسديدها للأقباط ستتنوع خلال الفترة المقبلة، بين منح المزيد من الأراضي المخصصة لإنشاء الكنائس والأديرة، وتقنين أوضاع 3780 مبنى تم إنشاؤها بطريقة غير قانونية، لتصبح مقرات كنسية ودور خدمات لا تتواءم مع الكثافات المسيحية للسكان في الأحياء والمدن، بجانب تعديل القوانين.

ولعل آخر فواتير الانقلاب المقدمة للكنيسة رغم أدائها المحدود في مسرحية الانتخابات الأخيرة، إحالة أوراق 38 متهمًا بـ«تفجير الكنائس» للمفتي بينهم سيدة، حيث أحالت محكمة الجنايات العسكرية بالإسكندرية، الثلاثاء 10 أبريل، أوراق 38 متهمًا لمفتي الجمهورية، بينهم 27 حضوريًا، و11 غيابيًا، في القضية رقم 165 عسكرية في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«بتفجير الكنائس»، وحجزت القضية لجلسة 15 مايو للنطق بالحكم.

وتضم قضية تفجيرات الكنائس الثلاث 48 متهما، بينهم 36 متهما على ذمة القضية، بالإضافة إلى 12 آخرين على خلفية اتهامات ملفقة في وقائع تفجير الكنائس بالإسكندرية وطنطا والعباسية وكمين النقب بالوادي الجديد.

وبحسب مراقبين، تأتي أحكام الإعدام كمحاولة إرضاء للأقباط بعيدا عن تحقيق العدالة أو تقديم جناة حقيقيين، كما أن أحكام الإعدام في القضية تعصف بكل قواعد القانون والعدالة، بل وبأبسط قيم الإنسانية وذلك دون أن تستوفي تلك المحاكمة الهزلية قواعد وأحكام القانون ولا حتى متطلبات المنطق والعقل، فتضع رقابا بالجملة في حبل الإعدام.

9

الأم الشابة “علا”

وفي القضية تبرز مأساة الأم الشابة “علا حسين”- 31 عاما- والتي اقتادتها قوات الانقلاب قسرا من منزلها، عقب حادث التفجير بلا أي دليل أو حتى شبهة لعلاقتها بالقضية وإنما بادعاء البحث عن زوجها، ثم “بقدرة قادر” تصبح شريكة في قضية لا تعلم عنها شيئا.

وعانت “علا حسين” في محبسها منذ 11 ديسمبر 2016 من انتهاكات كثيرة، بما يعني أن الحكم قد صدر عليها قبل انعقاد الهزلية أو الخوض في تفاصيل القضية، فبخلاف حرمانها من طفليها الصغيرين، فقد تم اعتقالها وفي رحمها جنين لم ير النور بعد، وبدلا من توفير ولو قدر بسيط من الرعاية الصحية أو حتى الآدمية المفترض أن تكون للسجناء عامة، وللنساء خاصة، إلا أنهم كانوا يتعمدون النيل منها بكل طاقتهم، فيجبرونها علي حمل أوعية المياه الثقيلة، وعلى مسح وتنظيف عنابر الجنائيات، بخلاف حرمانها من الطعام المناسب ومن الأدوية والعلاج، ما أدى إلى تعرضها للنزيف أكثر من مرة، وأخيرا تضع طفلها في تلك الظروف فتكون بذلك أول معتقلة تصطحب رضيعها وتضطر أن تبقيه معها في تلك الظروف القاسية وغير الإنسانية، وفي النهاية يُحكم عليها بالإحالة إلى المفتي.

فواتير أخرى

وباستقراء واقع المشهد السياسي وفي جانب منه علاقات الأقباط بنظام السيسي، نلحظ أن ثمة علاقة زواج مصلحة بين القيادة الكنسية ونظام السيسي، فالقضية الأساسية لهذا الزواج تدور حول العداء للإسلاميين والخوف من عودتهم للساحة مرة أخرى في الوقت الراهن أو مستقبلاً، وفي ظل هذه المخاوف يحرص رأس النظام على إثبات تقاربه مع قيادة الكنيسة وعامة الأقباط، خصوصا في احتفالات أعياد الميلاد التي يحرص السيسي على حضورها بانتظام، فما تزال الكنيسة تقدم خدمات جيدة للنظام دوليا ومحليا لمنع إدانته أو استمرار دعم قاعدة اجتماعية– وإن كانت تتقلص لصالح السيسي- مقابل الحصول على مزايا وحضور ديني وسياسي أكبر في المجال العام.

وعلى الرغم من الاستقرار النسبي في هذه العلاقة منذ الثالث من يوليو 2013، إلا أن هناك قيودا على هذه العلاقة تحول دون تحولها إلى تحالف دائم، فهذه العلاقة تقوم في الأساس على مبدأ أن عدو عدوي صديقي.

حسابات الربح والخسارة

وقد واكب هذا الجدل مشروع قرار أمريكي ينتقد أوضاع الأقباط في مصر، فهاجمت النوافذ الإعلامية والسياسية للنظام المشروع الأمريكي، بل هاجم برلمان العسكر هذا المشروع، واعتبره تدخلا سافرا في الشئون الداخلية للبلاد، وتم الهجوم على النائب “القبطي” عماد جاد؛ بسبب تبنيه لـ”خطاب المظلومية” مع تهديده وإيقاف عموده في جريدة الوطن.

وتظل العلاقة بين النظام والكنيسة محكومة بحسابات الربح والخسارة، وبالتالي فإن إمكانية حدوث تحولات كبيرة في هذه العلاقات مرهون بحدوث تحولات كبرى تستشعر معها الكنيسة أو عامة الأقباط- عبر منهج نظر شديد البرجماتية- أن مصلحتهم لم تعد في التحالف مع النظام الحالي. أما في الوقت الراهن فتحافظ الكنيسة على علاقتها بالنظام؛ وتقوم بتبرئة الأجهزة الأمنية من المسئولية عن الحوادث الإرهابية، عبر تجاهلها حالة الترهل والإهمال التي تعانيها القوات المسئولة عن حماية الكنائس، ومناشدة الأقباط بشكل مستمر ضبط النفس والالتزام بأخلاق التسامح.

استغلال الكنيسة للظروف

من جهة أخرى لا تتوقف محاولات الكنيسة استغلال الظرف الراهن في تحقيق مزيد من الضغط على النظام؛ بغرض دفع النظام لمعالجة العقبات التي تعانيها الكنائس غير المرخصة، وحمله على منحها التراخيص اللازمة، ومن جهة أخرى تبني الخطابين العلماني والرسمي المشدد على ضرورة تجديد الخطاب الديني–الإسلامي- عبر تأكيد فشل المقاربة الأمنية في معالجة قضايا الإرهاب، وعبر الإشادة بالدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية، وعبر المطالبة بتجفيف المنابع الفكرية للإرهاب. كأن الكنيسة تضغط على النظام بغرض تحقيق مكاسب إضافية، ومن جهة ثانية تؤكد دعمها له وتبنيها لخطابه وتأييدها له في حربه على كل قوى الإسلام السياسي سواء كانت عنيفة أو معتدلة.

ولعل أبرز المكاسب المتحققة للأقباط خلال حكم السيسي، مسلسل تخصيص الأراضي للكنيسة الأرثوذكسية، على غرار ما حدث في أبريل 2015، من تخصيص مساحة 30 فدانًا من الأراضى المملوكة للدولة لصالح بطريركية الأقباط الأرثوذوكس، وتقع القطعة المخصصة في منطقة مثلث الأمل بالتجمع الخامس في القاهرة الجديدة؛ حيث يتجاوز سعر المتر بهذه المنطقة 10 آلاف جنيه، وقد رافق ذلك وتلاه حزمة قرارات خاصة بترميم وتجديد وتوسيع العديد من الكنائس، بالاضافة إلى تقارب السيسي غير المسبوق مع الكنيسة الأرثوذكسية، وحضوره احتفالاتها السنوية بأعياد الميلاد، أيضا تنامى دور الكنيسة السياسي منذ أول يوم ظهر فيه البابا تواضرس، أثناء إلقاء السيسي بيان الثالث من يوليو 2013، ومنها توسع المشاريع الكنسية على حساب حظر المنظمات والجمعيات الإسلامية، بحجة تمويل جماعة الإخوان المسلمين.

امتيازات تشريعية

وكذلك فيما يرتبط بالامتيازات التشريعية، فقد تم إقرار (المادة 235) من الدستور، التي تفرض على مجلس النواب في أول دور انعقاد له إصدار قانون لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية، والذي تم إقراره بالفعل، وهناك قانون الانتخابات البرلمانية الذي وضعته حكومة محلب، والذي خصص للأقباط 24 مقعدا من 420 مقعدا، أي حوالي 5% من مقاعد البرلمان.

ويضاف إلى قائمة الامتيازات، القرار الحكومي في يناير 2018، بـ”تقديم كافة التيسيرات الممكنة لسرعة البت في الطلبات المقدمة” لتقنين أوضاع الكنائس غير المرخصة، وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد قالت إن الكنائس الثلاث (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) تقدمت للحكومة بنحو 3 آلاف و730 طلبا لتقنين كنائس وخدمات غير مرخصة.

رابط دائم