وعيت على صنفين من المسلمين يحتفلان بذكرى الإسراء والمعراج؛ الأول يجعلها مناسبة للكلام والخطابة وتوزيع الحلوى على المجتمعين، والآخر يطبق وصايا ودروس ذلك الحدث الأكبر للنبى الأعظم- صلى الله عليه وسلم- وإنى أميل إلى من يعملون ويطبقون؛ إذ قال قائلهم- رحمه الله- «نحن قوم عمليون، تكلمنا حتى سئمنا الكلام، وقلنا حتى كرهنا القول».

فمن أراد الاحتفال بالذكرى كما أرادها الشرع؛ فليكن على هدى صاحبها، سالكًا مسلكه، متبعًا طريقته؛ وقد كانت الرحلة تتويجًا لفضيلة الصبر على المكاره، وتحمّل مشاق الدعوة، دون شكوى أو عجل، حتى لقد صبر وغفر كما لم يفعله إخوانه أولو العزم من الرسل؛ فكان الجزاء مدهشًا، والمنح منسية لما مرّ به من محن وإحن، وهو لنا -صلى الله عليه وسلم- مثل وقدوة، والدرس واضح: لا نصر من دون صبر، ولا يسر من دون عسر، ولا فرح وسرور من دون حزن وكرب، وهذه سنة الله فى دعوته، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وفى الإسراء والمعراج درس للدعاة؛ بالثبات على المبدأ، والتشبث بالحق، لا يضرهم من ضل، ولا من فرّ، ومثلما كوفئ الصابرون بالعطاء المدهش، فكذلك يكون جزاء الثابتين على الحق؛ فما حازت ماشطة ابنة فرعون تلك المكانة الرفيعة التى رآها النبى -صلى الله عليه وسلم- عليها فى معراجه إلا بذلك اليقين الواثق الذى فقدت لأجله فلذاتها؛ فما صرفها ذلك عن دينها شيئًا؛ وكذلك أبو بكر -رضى الله عنه- الذى سجّل لقب (الصديق)، وهو درجة عالية أقرها القرآن، لموقفه عقب الرحلة الميمونة؛ إذ قالوا له إن صاحبك يقول كذا وكذا -هزءًا وسخرية- ففزعوا من رده حيث قال: «لئن قال ذلك لقد صدق، إنى لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة».

وإن الذكرى تؤكد للمسلمين أجمعين، برهم وفاجرهم، أن فلسطين هى أرض الله المباركة، التى لا يجوز التفريط فى شبر منها، وهى ليست المسجد وقبته، وليست البناء وقبلته، بل هى أرض فلسطين جميعًا (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)؛ فـ«حوله» تلك هى كامل تراب فلسطين وليست بقعة المسجد، بل الأرض التى سار عليها الأنبياء، ودفنوا فيها، وعليها دارت الحروب بين المؤمنين والكافرين. وهى أرض المسلمين بلا منازع؛ فالمسجد وما حوله ملك لهم، قد كان أول القبلتين، وثالث الحرمين، وتشهد جثامين الصحابة والتابعين الموجودة تحت ترابها أنهم من طهروها من الرجس، وأعادوها نقية مهبط الأنبياء والمرسلين.. وجاءت الإسراء والمعراج تؤكد هذا الحق، وتجعلها خالصة للموحدين الذين شهد أنبياؤهم جميعًا بإمامة الصادق الأمين.

وهناك درس أهم، هو درس الصلاة، وقد قيل إن كل الفرائض والشرائع نزلت على النبى وحيًا وبلاغًا من جبريل -عليه السلام- إلا الصلاة التى تلقاها المعصوم من ربه مباشرة؛ ما يعنى تفردها عن سائر الفرائض، وأهميتها، وقدسيتها، وهو ما نجده فيما ورد حولها من أحاديث صحيحة لا يتسع المقام لذكرها، لكننا نذكر بأنها عماد الدين، وأنها الخط الفاصل بين الإسلام والكفر، وأن فيها الحد، وأنها النور الذى منّ الله به على المؤمنين، وقد كانت آخر وصية للنبى -صلى الله عليه وسلم- ساعة موته؛ فهل عقل المسلمون هذا الأمر؟ وهل وصل هذا البلاغ إلى شباب المسلمين الذين تفرقوا شيعًا وأحزابًا وراء ملهيات صرفتهم عن تلك الفريضة المقدسة؟

ولو أراد المسلمون النجاة مما ابتلوا به فى هذا الزمان لاجتنبوا الفواحش التى غرق فيها كثير منهم، وقد رأى النبى -صلى الله عليه وسلم- أثناء رحلته نماذج لمن تورطوا فى مثل هذه الآثام فى الدنيا وكيف صار حالهم لما أصبحوا بين يدى الخبير العلام. وليدرك المسلمون أنه ما تأخرت أوطاننا وركبنا الأعداء إلا بسبب الفاحشة؛ حيث انتشرت الأمراض والأوجاع التى لم تكن معروفة فى الأمم السابقة، وحيث ضعف شباب الأمة، وخارت قواهم وصاروا عبئًا على ذويهم، وبدلا من استغلال طاقاتهم فى العمل والإنتاج واليقظة لمخططات الأعداء، أصبحوا لا يقوون على إطعام أنفسهم، مثل الطائر الكسيح الذى ينتظر أن تلقى إليه كسرة يقيم بها أوده حتى يحين قضاؤه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن إمامة النبى- صلى الله عليه وسلم- فى هذه الرحلة كما تدعونا للفخر به، تحملنا مسئولية السير على منهجه، دون تفريط أو إفراط، والتزام سنته دون زيادة أو نقصان، وأن نكون صورة حقيقية وليست زائفة عن الإسلام الصحيح الذى بلغه، فضلا عن اليقين التام أننا الأمة الخاتمة، خير أمة أخرجت للناس، وهو كذلك لا يحمل الفخر والتشريف بقدر ما يحملنا المسئولية والتكليف؛ فهذه الأمة من واجبها أن تبلِّغ رسالة ربها إلى الناس أجمعين، كما جاء بها المصطفى رحمة للعاملين؛ بيضاء، ليلها كنهارها، لا زيغ فيها ولا ضلال.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم