“أي حاجة قديمة للبيع.. تراث سينمائي للبيع.. مشاريع الغلابة للبيع.. بيكيا.. بيكيا”، لم يكن ذلك النداء نداء بائع الروبابيكيا الذي يشترى كل ما هو قديم في البيت من كتب وأجهزة قديمة، وأدوات منزلية وأوان، ويتردد نداؤه الشهير “بيكيا.. بيكيا” منذ سنين، قاطعًا بين الحين والآخر صخب شوارع القاهرة، التي باتت لا تعرف الأمن والاستقرار بعد انقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، بل هو نداء فنانة أصبحت أحد وكلاء العسكر في بيع مصر وتراثها الفني وهدم مشاريع أهلها الطيبين.

الفنانة “إسعاد يونس” أو صاحبة السعادة كما تحب أن توصف، سمح لها المخلوع مبارك وعصابة العسكر وقتها ببيع 800 فيلم للأمير الوليد بن طلال ورجل الأعمال صالح كامل، عن طريق شركة “فنون” التي يملكها زوجها الأردني ” علاء الخواجة”، وأصبح ثلثا التراث السينمائي المصري في يد الأجانب، والغريب أن كيان العدو الصهيوني نال نصيبه من تلك الصفقة، وأصبحت أفلام إسماعيل ياسين وشكوكو والريحاني وليلى مراد وغيرهم تعرض للجمهور الصهيوني مترجمة للعبري ومدبلجة، في أقبح عملية تطبيع.

لم تكتف صاحبة السعادة بما حققته من شهرة وأموال طائلة بلغت الملايين في البنوك، بل أدت دورها في بداية انقلاب السفيه السيسي، وأصبحت تطلب من المصريين التقشف والرضا بالمقسوم وليكن الخبز الحاف.. إن وجد، إلا أنها بعد ذلك انطلقت تمارس دورها في خدمة الخواجات الأجانب وعلى حساب المصريين.

تقول الناشطة رانيا حناوي: “الفنانة الجميلة العظيمة صاحبة السعادة “إسعاد يونس” أخدت توكيل لبراند انترناشونال اسمها “فور وينترز four winters” وده براند ايس كريم وحلويات، وكان الافتتاح من يومين وبتقول إن كل دار سينما هيكون فيها فرع للبراند دي لأنها بتقدم منتج شهي ولذيذ ومتنوع”.

 

يكسبوا على قفاكم

وتابعت حناوي بالقول: “والغريب انها مفتحتش فروع تبيع منتجات شركة “قها” اللى كانت بتطلب من المصريين يشتروا منتجاتها وبتقولهم بلاش ألاطة و اشترى منتج بلدك ، ولا فتحت فرع لشركة “كورونا” اللى قالت فى برنامجها انها احلى من “جلاكسى”.ولا فتحت فرع تبيع صابون “نابلسى شاهين” اللى هزقت المشاهدين قبل كده علشان بيسبوه و يشتروا شامبو وقالتلهم عيشوا عيشة اهلكم ، بس الغريب انها ماعشتش عيشة اهلها وراحت فتحت فرع لبراند اجنبي”.

وأضافت: “الكهربا اللى بتصرفوها علشان تتفرجوا على الكذابين المضللين المدعيين دول اللى عايزنكم تفضلوا فى الجهل والفقر والمرض خسارة فيهم وفروها احسن، الناس دى كذابة وانتم بالنسبة لهم بضاعة و بيبيعوا ويشتروا فيكم ويكسبوا على قفاكم ، الناس دى لا تمت لصحيح الاعلام بِصله ، الاعلام كان هدفه زمان التنوير و التثقيف والترفيه ،دلوقتى هدفه الغش والكذب والتدليس والانحراف فقط لاغير”.

وختمت بالقول: “الأستاذة المبجلة هي فعلا كده صاحبة السعادة والهنا والسرور ، بس انت لو صدقتها هى و اللى زيها هتفضل صاحب الهم والغم والقرف”.

ويقول الناشط أحمد كريم :” صاحب البيت اللى أنا ساكن فيه، من سنتين قرر إنه يجدد فى البيت هد الواجهة وكسر السلالم وبوظ مواسير الكهربا والمية والغاز وبقوا بيقطعوا أكتر مابييجوا مع إن البيت كان شغال وكويس وماكناش بنشتكى منه بس هو صمم يجدده وقالنا انا بعمل كده علشانكم وعلشان مستقبل عيالكم وكلها سنتين بس وهتشوفوا البيت هيبقى عامل ازاى”.

وتابع: “وفاتت السنتين والبيت إتبهدل اكتر وكل مانقوله السنتين خلصوا والبيت لسه ماخلصش يقول وإيه يعنى السنتين فاتوا ماتصبروا شوية ومفيهاش حاجة لو قعدنا نصلح فى البيت طول عمرنا وعمر عيالنا وأحفادنا هما اللى يستمتعوا بيه بعد كده، وبعدين مفيش فلوس مامعيش هجيب منين لازم تصبروا مع إنه فى السنتين دول قشطنا وخلانا على الحديدة زود الإيجار أربع أضعاف وكل شوية يقلبنا فى اى فلوس والحجة طبعا تصليح البيت”.

بيع مصر للديانة

وأضاف كريم:” واستلف فلوس ياما على حس تصليح البيت ولو فيه حد من السكان اشتكى يقولوه لو مش عاجبك البيت سيبوه وامشى نقولوا طيب ياعم العيال مش عارفين يروحوا المدارس ويتعملوا ويذاكروا ومتبهدلين معانا يقولنا وهيعمل إيه التعليم فى بيت خربان طيب ياعم نزل لينا الإيجار شوية وخف عننا الإتاوات اللى بتخدها احنا مابقناش لاقين ناكل يقولنا انتوا عايزين تاكلوا ولا تظبطوا البيت”.

وختم قائلاً:”الغريبة بقى إنه كل شوية يعمل صوان قدام البيت ويعمل عزومة كبيرة لحبيبه من اهل الحى يصرف فيها شئ وشويات من فلوسنا ويقعد يكلمهم عن البيت واللى عمله فيه وعن اللى لسه عاوز يعملوه فيه وعن شكل البيت بعد مايخلص زى ماهو راسم ليه .المشكلة إن البيت ماعادش نافع وشكله هيقع قريب ده لو الدايانه ماحجزوش عليه قبلها”.

واعتبر الروائي الراحل جمال الغيطانى ما تقوم به إسعاد يونس أو “صاحبة السعادة” صفقة لتدمير التراث المصري، وأفاض الراحل فى توضيح معنى المقتنيات الفنية والسينمائية وكيف تحافظ الدول على تراثها ، وظل المخرج الراحل محمد كامل القليوبي، رئيس المجلس القومي للسينما، يقاوم صفقة البيع أربع سنوات متتالية، هي فترة إدارته للمركز القومي للسينما.

وهدأت المعركة ووجدت شركة “فنون” من يدافع عنها عن حقها في بيع تراث السينما المصرية، واستمالت أقلام واستأجرت سينمائيين صغار وكبار، وتمت الصفقة وخمدت النار، وهدأت الحملات الصحفية بالهدايا والدعوات والسلامات والسفريات وباع من باع واشترى من اشترى، ودارت الأيام وجاءت ثورة 25 يناير ومن بعدها انقلاب 30 يونيو 2013، وعادت السيدة إسعاد يونس لتملأ الشاشات وتكتب المقالات في الصحف !

ونجح فريق عمل من الموهوبين الشباب الذين ربما لا يهتمون قليلاً ولا كثيراً بحواديت الاحتكار وتراث مصر الفني وربما لا يعرفون أن “زغلول” بطلة المسلسل الشهير مع بكيزة هي نفسها صاحبة الشركة العربية للإنتاج وصفقة بيع الأفلام المصرية، وضخ فريق الإعداد دماء جديدة في شرايين إسعاد يونس لتصبح أكثر بياضاً وتحظى بوجاهة وتثير إعجاب العائلات في البيوت وتغازل الوجدان والشجن وعصير القصب.

وستمضى قافلة الانقلاب التي يجرها السفيه السيسي، وتحصد “إسعاد” ألقاب جديدة إضافة إلى صاحبة السعادة، ولن تغير تلك المعلومات “القديمة ” شيئاً ، فـ”هناك بيوت وشاشات مفتوحة وأيد ده في جيب ده واللي فات مات يا راجل والمكنة دايرة والسعادة بتتفرق علينا”، وغدا تباع مصر كلها في المزاد كما بيعت تيران وصنافير.

رابط دائم