اتهم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، حكومة العسكر في مصر بممارسة كل صور التضييق الأمني والقانوني على الحياة السياسية والمدنية والإعلامية خلال عام 2017، مؤكدًا  أن النظام يمضي قُدمًا في عسكرة السياسة وتكريس السلطوية، بممارسات قمعية يوظف فيها كل أدوات السلطة التنفيذية والتشريعية والأمنية.

وقال المركز- الذي يعمل من فرنسا خوفًا من التضييقات الأمنية، في تقرير أصدره بعنوان “خريف العرب الكيماوي.. عسكرة السياسة وتجديد السلطوية”- إن الدولة المصرية توجّه  جزءًا كبيرًا من أدواتها الأمنية ووسائلها التشريعية لمواجهة القوى السياسية والمدنية السلمية. وتعتبر الظروف المروّعة لوضعية حقوق الإنسان في مصر جزءًا من سياسة ممنهجة للإجهاز على القوى السياسية والمدنية، التي ظهرت قبل وبعد ثورة يناير 2011، واستبعاد أي احتمال للتعبئة السياسية والاجتماعية مجددًا”.

التقرير يؤكد أن سياق مكافحة الإرهاب وفّر ذريعةً لفرض إجراءات قانونية تتجاوز هدفها المعلن إلى التنكيل بالمعارضة السلمية، ونشطاء المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة بدلا من استهداف الإرهابيين الحقيقيين، وأُدينت هذه الانتهاكات بشكل متكرر من جانب لجان حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والمفوض السامي لحقوق الإنسان. لكن ذلك لم يمنع استمرار القبضة الأمنية”.

115 حالة اغتيال

وعن القتل والتعذيب، قال التقرير: “استمرت السلطات الأمنية في ارتكاب جريمة القتل خارج نطاق القانون. ورصدت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات وقائع تصفية جسدية لـ115 شخصا خلال عام 2017، في مختلف محافظات مصر، خارج سيناء. وكان معظم الضحايا لحالات مختفية قسريا على مدار أسابيع وشهور، ورصدت آثار تعذيب وكدمات على جثث بعضهم”.

وتابع: “في شمال سيناء، كذّبت تحقيقات المنظمات الحقوقية العديد من بيانات وزارة الداخلية والجيش المتعلقة بمصرع إرهابيين أثناء الاشتباك مع قوات الشرطة أو الجيش. فبعض الحالات كانت لأشخاص رهن الاحتجاز قبل إعلان قتلهم، أو لضحايا من النشطاء السياسيين، مع عدم وجود أدلة على ارتباطهم بجماعات مسلحة أو أعمال عنف. كما توجد حالات تصفية مباشرة لأشخاص دون القبض عليهم والتحقيق معهم”.

ورصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 107 حالات اختفاء قسري في الربع الأول من عام 2017. ولم يسلم أيضا النشطاء العاملون على هذا الملف من أن يكونوا هم أنفسهم ضحايا للاختفاء القسري مثلما حدث مع الحقوقيَين الدكتور أحمد عماشة وإبراهيم متولي حجازي، واللذين تعرضا للاختفاء القسري والتعذيب، ثم أعلنت السلطات عن حبسهما احتياطيًا في اتهامات بقانون مكافحة الإرهاب.

مقتل 15 معتقلا بالإهمال الطبي

وفي عام 2017، لقي 15 سجينا حتفهم نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون، من بينهم محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، والذي تُوفي في سبتمبر/أيلول في مستشفى قصر العيني بالقاهرة بعد صراع طويل مع المرض في السجن.

وأضاف التقرير: “أدخلت حكومة السيسي سلسلة من التغييرات الهيكلية في بنية التشريع المصري لتغليظ القبضة الأمنية على المجال السياسي والإعلامي والمدني، وتسييس القضاء والمحاكم. وأمدّت بيئة الحرب على الإرهاب في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، السلطات المصرية بمبررات لاستمرار إصدار قوانين مقيدة الحريات، ومهدرة ضمانات استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة”.

قوانين مشبوهة

وذكر أنه “في أعقاب التفجيرات التي استهدفت ثلاث كنائس في إبريل/نيسان 2017، تبنّت السلطات المصرية مزيدا من التعديلات القانونية في إطار الحرب على الإرهاب، ممثلة في قانون الإجراءات الجنائية، وقانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وقانون تنظيم الكيانات الإرهابية، وقانون مكافحة الإرهاب. وقلصت هذه التعديلات من ضمانات المحاكمة العادلة، وضمانات حماية المتهم”.

وطبقاً للتعديلات، أصبح للمحاكم الجنائية السلطة التقديرية في السماح بسماع شهود النفي، كما ألغت حق المتهمين في إعادة المحاكمة ونقض أحكامهم للمرة الثانية، كما ألغت التعديلات شرط حضور المتهم أو من يمثله أثناء صدور الأحكام. وأتاحت التعديلات أيضاً للمحاكم الجنائية إدراج أفراد وكيانات في إطار لوائح الإرهاب بناء على تقارير أجهزة الأمن لمدة خمس سنوات”.

وصادق الجنرال في شهر مايو/أيار الماضي، على القانون الجديد لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، والذي يتضمن قيودا هائلة على ممارسة نشاط الجمعيات بشكل عام، والنشاط الحقوقي المحلي والدولي في مصر بشكل خاص. كما صادق في إبريل/نيسان على تعديلات للقوانين المنظمة للسلطة القضائية تجعل له دورا في اختيار رؤساء محكمة النقض، ومجلس الدولة، ورئيس هيئة النيابة الإدارية. وأثارت هذه التعديلات غضب قطاع كبير من القضاة لما تشكله من إخلال باستقلال السلطة القضائية، ومبدأ الفصل بين السلطات.

وفي سبتمبر/أيلول، أدخلت السلطات تعديلات على قانون الجنسية تتيح سحب وإسقاط الجنسية المصرية وفقًا لمعايير مرنة فضفاضة يمكن توظيفها بشكل سياسي ضد المعارضين والنشطاء السياسيين والحقوقيين. وأضافت حالة جديدة لسحب الجنسية المصرية ضد من يصدر في حقه حكم قضائي “يثبت انضمامه لأي جماعة أو جمعية أو منظمة أو عصابة أو أي كيان أيًّا كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة”.

وتستمر السلطات القضائية في التوسع في إصدار قرارات الحبس الاحتياطي طويل المدة، والذي تجاوز ثلاث سنوات في العديد من الحالات. كما توسع القضاء المصري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة في إصدار أحكام إعدام جماعية في قضايا معظمها له طابع سياسي. فبحسب بيانات الائتلاف المصري لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، حكم على 1162 سجينا حضوريا بالإعدام حتى ديسمبر/كانون الأول 2017، وحُكم على 325 شخصا بالإعدام غيابيا. وبلغ عدد المحالين لأخذ رأي المفتي قبل إصدار حكم بإعدامهم 1487 معتقلاً.

وأضاف التقرير: “أكثر ما يثير القلق هو التنفيذ الفعلي لكثير من أحكام الإعدام التي تنتهي لها بعض هذه المحاكمات. فمنذ 2013 أعدم 21 مدنيا أدانتهم محاكم عسكرية. وفي 26 ديسمبر/كانون الأول، نفذت السلطات المصرية في يوم واحد أحكاما بالإعدام ضد 15 شخصا من أبناء سيناء أُدينوا بالإرهاب في يونيو/حزيران 2015، بعد محاكمة عسكرية “لم تراعِ أدنى قواعد وضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين”.

وتفيد الأدلة التي جمعتها المنظمات الحقوقية المصرية بتعرض هؤلاء الأشخاص للاختفاء القسري والتعذيب، بل ولم يمارسوا حقهم في الدفاع. ويرجَّح أن يكون التعجيل في تنفيذ حكم إعدامهم مدفوعا بالثأر والرغبة في تهدئة الرأي العام بعد تصاعد عمليات جماعات العنف في سيناء ضد أهداف عسكرية ومدنية في الشهور الأخيرة من عام 2017.

رابط دائم