هل يصدق غبي التسامح الديني والسياسي الذي تتظاهر به عصابة “أبو إيفانكا” العرب، وهم يذبحون أبناء دينهم ويسجنون الأحرار الأبرار من أبناء وطنهم؟، سؤال طرحه مراقبون لم يستغربوا زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، والتنسيق مع رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، وفق قرار الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده للقدس، واعتبار المدينة عاصمة للكيان الإسرائيلي، بينما تمتلئ سجون العسكر بآلاف الرافضين للانقلاب، وتتأرجح أجساد الأبرياء على مشانق عصابة أبو إيفانكا.

ترامب الذي استُقبل استقبال الفاتحين وعومل معاملة أمير المؤمنين خلال زيارته للرياض، وكانت الحفاوة به أقرب إلى التقديس والتبجيل منه من الاحتفاء الرسمي البروتوكولي، فضلاً عن كمية الأموال التي قُدمت له تحت مسمى استثمارات والتي تعدت 400 مليار دولار، وقف بقوة خلف القمع والتنكيل والاعتقال والقتل في بلاد الربيع العربي.

وتحول ترامب من متهور معاد للإسلام خلال حملته الانتخابية يخشى الجميع من دخوله البيت الأبيض، إلى أكثر الرؤساء الأمريكيين شعبية في العالم العربي، واخترق ترامب قلوب حكام الخليج بعد تصعيده “الإعلامي” ضد إيران ليتحول رجل العقارات دونالد ترامب إلى “أبو إيفانكا الأمريكاني” حبيب الملايين.

ومؤخرًا ظهر الأمير محمد بن سلمان وهو يزور رأس الانقلاب داخل الكنيسة الأرثوذكسية، البابا تواضروس، وتوزعت الابتسامات مجانية أمام الكاميرات من الطرفين، ما شجع “بن سلمان” لعزومة تواضروس لزيارة المملكة، فتشجَّع الأخير جراء كرم الأمير وطالب ببناء كنيسة في السعودية، بعدها ظهر “بن سلمان” والسيسي في صلاة غريبة بالأزهر، لم تصف فيها الصفوف بل وقف كل واحد بحسب دوره في صفقة القرن الصهيونية، فهل حقا يسري التسامح السياسي والديني في عروق عصابة أبو ايفانكا؟

في مصر

لا تسامح لدى العسكر، ذلك ما ظهر بعد تأكد صمود الشعب وسقوط المخلوع مبارك لا محالة، انضم للثورة مجموعة من الوجوه العلمانية والليبرالية مثل البرادعي وساويرس، وحتى من أذيال النظام مثل مصطفى بكري، ثم حاول الجيش نفسه وهو العمود الفقري للنظام المنتفض ضده، الظهور بمظهر المحايد والذي يقف مع إرادة الشعب، والحامي له في مواجهة النظام الآيل للسقوط وبطشه، وبعد فترة انتقالية تولى هو فيها التسيير، هندس جيدا للوضع القادم وحاول قدر المستطاع عرقلة تنصيب المؤسسات المنبثقة عن الشعب.

ولما فُرضت بضغط شعبي كبير، عمل جاهدًا على تأليب الشعب ضدها عبر بث الفوضى والتخريب والاعتداءات، ومس الناس في أمنهم وأمن ممتلكاتهم، والدفع من خلال أذرعه الاقتصادية القوية ومختلف الوسائل التي يحوزها لقطع التموين بالسلع الضرورية، لجعل حياة الناس جحيما في طوابير انتظار الخبز والوقود ومختلف السلع، وقاد حملة شعواء منظمة عبر أجهزته الإعلامية ضد الثورة ومخرجاتها والمؤسسات المنتخبة، وقوى الشعب الحية، ثم تقدم بعد تهيئة الأجواء لينفذ انقلابه على الشعب، ويعود لممارسات أشد تنكيلا من النظام السابق.

في تونس

تسلل بقايا نظام “بن علي” بهدوء وبالاستعانة بالمأجورين وجبل الشعانبي، ليبثوا الرعب في قلوب الشعب التونسي الذي تعيش نسبة كبيرة منه على السياحة والانفتاح، ودفعه دفعًا للقبول بالانقلاب الناعم الذي أعاد تدوير مخلفات نظام “بن علي” والمجيء بالقايد السبسي من باب القبر.

وأصبح ترامب في تونس كما في القاهرة والرياض، لا يذكر على ألسنة عصابات الانقلاب دون ذكر فضائله وخصائله الكريمة وجهوده في مكافحة الإرهاب “الإسلامي”، ويتودد له الجميع، ويتاجر البعض باسمه في مواجهة الشعوب المقهورة، ترامب أو “أبو إيفانكا” لم يتخل عن حلفائه العرب، ولم يُدر ظهره لهم، فالرجل اتصل هاتفيا بمعظم رؤساء وملوك العالم العربي ليخبرهم بقراره قبل إعلانه، وذلك وفق بيانات رسمية صادرة عن هذه القصور الرئاسية والملكية، وهو الأمر الذي يشير إلى أن الرجل لم يتلق رد فعل يجعله يتراجع عن قراره.

في ليبيا

وبعد الوقوف على نجاح الثورة في تونس ومصر، ارتمى كثير من أعمدة نظام القذافي في الثورة منذ بدايتها، ومنهم وزير خارجيته السابق شلقم، ورجله الوفي عبد الفتاح يونس ومحمود جبريل وغيرهم، لكن بعد نجاح الثورة لم يعترف الشعب الليبي بدورهم فعادوا من النافذة عبر الدعم الدولي، وعندما فشلوا ألقى بأحد رجال القذافي وهو العسكري السابق خليفة حفتر، ليقود ثورة على الثورة وتحت علمها، بحجة تطهيرها وتحرير ليبيا، مدعوما في ذلك وبشكل مباشر من نظام انقلابي آخر هو نظام السيسي.

لم يشعر الأزهر الذي يديره العسكر بالتسامح مع الشعب الليبي الذي ثار في وجه سلطان جائر، ترك الأزهر الشعب الليبي غارقا في دمائه، لأن هذا ما يريده السفيه السيسي، واكتشف فجأة أن هناك مدينة تسمى القدس، فخصص الأزهر خطبة الجمعة للحديث عن المدينة، فجأة أصبحت القدس حديث الأزهر وهي التي طالما صرخت واستنجدت به فلم يجبها أحداً.

في اليمن

سعت السعودية التي تزعم التسامح لقيادة ثورة مضادة بدعم الرئيس المطاح به لآخر لحظة، وحين فشلت دفعت بوضع نائبه في سدة الحكم مكانه، وعندما أحست بخطر سيطرة حزب الإصلاح على السلطة، لم تتوانَ في دعم الحوثيين الموالين لإيران لإجهاض الثورة، لكن الرئيس السابق المطاح به اغتنم الفرصة وقاد تحالفا مضادا مع الحوثيين مدعوما من إيران واستولى على البلد، ووجدت السعودية نفسها في مواجهة تمدد إيراني جديد في جنوبها، حتى مقتل علي عبد الله صالح.

ولا يخفى على أحد الدور الذي لعبه الدعم المالي والعسكري السعودي والإماراتي في دعم الثورات المضادة، التي انقلبت على ثورات الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن، فقد وُضع تحت تصرف رجال الثورة المضادة كثيرٌ من الإمكانات العسكرية وعشرات المليارات من الدولارات، كما وقع في حالة اللواء عمر سليمان الذي أفرغ في حسابه 8 مليارات دولار ليقود الانقلاب على الثورة المصرية، لكن مقتله في حادث آخر يرتبط بالثورة السورية قلب كل الموازين وجعلهم يعولون على أشخاص آخرين، ودخلت الإمارات في سجال مع زوجة عمر سليمان لاستعادة المبلغ حتى يومنا هذا.

رابط دائم