في سنتي الثالثة بإعلام القاهرة درّست لنا الدكتورة عواطف عبد الرحمن، وهي شيوعية شهيرة وقيادية بحزب التجمع؛ ولا زلت أذكر – وأنا الشاب المحافظ القادم من ريف البحيرة – أنها صدمتنى بقولها: “يدين العالم لأهل القارة السمراء بأنهم صدّروا إلى قاراته الخمس فن الرقص”.. ودارت الأيام دورتها حتى إذا كنا فى ربيع عام 2014 ورأينا (وصلات الرقص) المتنوعة أمام اللجان، قلت: لقد كانت الدكتورة عواطف محقة فيما قالت؛ نحن بالفعل أمة إفريقية تجيد الرقص، وتعلمه الآخرين، ولا تجيد غيره، رغم تخلفنا وفقرنا، ورغم اجتماع عوامل الضعة والمسكنة فى كل مظاهر حياتنا.

لقد رأينا إحداهن تخرج من بيتها إلى عملها أو إلى سوقها صباح يوم الانتخابات الماضية، فتمر في طريقها بلجنة من اللجان، فتشمر عن ساعديها، وتعدل هيئتها، ثم تنزل إلى ساحة الرقص، وإن هي إلا دقائق معدودة حتى تفاجأ بامرأة غير المرأة؛ في مواهبها وإمكاناتها وقدراتها الحركية والاستعراضية، وقواها النفسية، ومؤهلاتها الجسدية.. فعلا إنها جينات الأفارقة الراقصة، فضلا عن (الإضافة الفرعونية) التي جعلت أنظمتنا العسكرية تفخر بتلك المرأة الجبارة العظيمة التى أوصلت الزعماء إلى مقاعد الرئاسة، وغيرت أنظمة، وبدلت حكومات، والفضل في ذلك لهذا الإبداع الحصري لنساء المحروسة.

للحق فإن هذه المواهب ليست لكل المصريات؛ لأنه من الواضح أن (الغزو الوهابي) لمصر أتلف هذا (الأوبشن) عند غالبية نسائنا، ففقدن بذلك أروع ما أهدته الإفريقيات إلى العالم. أما هؤلاء الراقصات اللاتى تشاهدهن أمام اللجان؛ فمنهن المستأجرة، ومنهن الشريفة المتطوعة، وهن جميعًا المضحيات بأجسادهن (من أجل مصر)، الواقعات في غرام الزعيم عن بُعد، من قبل أن يرينه وجهًا لوجه، وغرضهن: بذل الجهد، قدر الطاقة -جسديًا ونفسيًا- لتوصيل رسالة إلى (الزعيم) بأنهن يذبن عشقًا فى (خلقته)، وأنهن يردنه رئيسًا أبد الدهر، حاكمًا للمصريين بالحديد والنار.

وهن لا يرين الرقص عيبًا على الإطلاق -كما يتهمهن الإرهابيون- بل هو قمة المشاعر الإنسانية؛ حيث الإحساس بالنشوة والانتصار، والتخلص من المشاعر السلبية الداخلية؛ فالاهتزاز طربًا وتحريك الأعضاء البارزة تعبير صريح عن جدارة الحدث، وإعلان مباشر عن قيمة الإنجازات التى تحققت، والنجاحات التى تمت.. هذا هو الرقص الذى تتوافر فيه قيمة الإخلاص، والحب، والمواطنة و(الباذنجان)!!.

ويستطيع المشاهد العادى أن يميز قصة الإخلاص تلك فى هؤلاء الراقصات أمام اللجان، فالتى تؤدى وصلتها دون ترديد اسم الزعيم أو اسم المحروسة (مصر) فهى ليست مخلصة؛ فربما كانت من (راقصات الزار)، وهن مواطنات عاديات مررن باللجان فنزلن الساحة راقصات، لكن لم يكن هدفهن تأييد المرشح الأوحد ودعم بقائه على قلوب المصريين، أبدًا لكنها على خلاف مع زوجها وهما على وشك الطلاق، وقد ضاقت بها الحياة، فانخرطت فى الرقص ترفيهًا وتغييرًا لـ(الجو) الكئيب الذى خيم عليها، وهذا أمر معروف فى الوسط المصرى فيما يُعرف بـ(حلقات الزار)، وهى حلقات تعقد فى البيوت ويديرها أحد المشعوذين، ويشارك فيها نسوة يصطففن على شكل دائرة، يرقصن بعنف على صوت أحد المطربين الشعبيين، وهو الأمر نفسه الموجود أمام اللجنة.

وبعيدًا عن الجانب الفنى للرقص -والذى أطلت الكلام فيه- فإنه مهم جدًا على الجانب السياسى، ولم لا وقد حصد المصريون ثماره، وأدركوا مقداره؛ فما بين عامى 2014 و2018 تغيرت أحوال مصر إلى أحسن حال، حتى صرنا على قمة الأمم الناهضة، والدول الفتية الواعدة، وصار لعملتنا شأن، وأى شأن، وصرنا… وصرنا.

يا سادة، والله لن تحصدوا إلا البؤس والكرب ما دمتم على هذه الحال، وما دامت نساؤكم راقصات مبتذلات، داعمات للظلم والطغيان. لقد كان لكم آية فى السنوات الأربع الماضية: فلم لا تتعظون؟ ولم لا تتوبون؟ ولم لا تتذكرون وقد أتتكم البينات؟.

إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فما بالكم بمن دعمت الباطل؟ وبمن اهتزت له طربًا؟ وبمن حركت من جسدها بواعث الشهوة والرذيلة على الملأ؟ إن هذا الذنب عظيم، وإن الإعراض عن الحق وتأييد الباطل لهو الكبيرة التى لا يكفرها إلا التوبة.. وإن الإصرار على هذه المعصية يدخل الجميع فى فتنة عظيمة لا يسلم منها أحد، وقد رأينا أماراتها فى العيش النكد، والخوف، والجوع، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ولا مبدل لكلمات الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ارقصوا -كما شئتم- لكن لا تلوموا إلا أنفسكم. ولا تنتظروا من الله خيرًا، ولا تتوقعوا عيشًا رغدًا كما وعدكم الذين ترقصون لهم؛ ذلك أن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون..

 

 

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم