استمرار عمليات ما أطلق عليها الجنرال عبد الفتاح السيسي “تطهير سيناء” من الإرهابيين، جاء مخالفًا للواقع الأليم والمر الذى تعيشه أرض الزيتون والتمر طوال الأشهر الماضية؛ بسبب العمليات التي دخلت عامها الثالث من التهجير القسري. وتكشف إجراءات السيسي النوايا الخبيثة للعسكر وسعيهم لتكرار نموذج السودان مرة أخرى، واستعداء جيل كامل من أبناء مصر.

من جانبه يؤكد يسري حماد، نائب رئيس حزب الوطن السابق، أن المطالبة بتهجير أهالي سيناء دافع أصيل من دوافع الكيان الصهيوني، مضيفا أن إخلاء سيناء يأتي في إطار متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي وليس المصري.

وشدد على أن شبه الجزيرة جزء عزيز من مصر، ولا يمكن فصله عنها بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها جهاز مخابرات السيسي.

وأضاف: دخلت المخابرات الحربية في معركة بأوامر صهيونية عليا، جرى فيها تعذيب أهالي سيناء طيلة الأشهر الماضية وقتلهم وتهجيرهم، وهو ما يخالف الدستور، حيث تحظر المادة 63 من دستور 2014 التهجير القسري للمواطنين بجميع صوره وأشكاله وتعتبره جريمة لا تسقط بالتقادم.

جاريد كوشنر

وقبل شهرين، اجتمع صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره، جاريد كوشنر، مع عبد الفتاح السيسي، ليخرج السيسي بتعليقات لم تختلف عن بيانات مصر الدبلوماسية منذ أكثر من خمسين عامًا، حيث زعم السيسي أن موقف مصر داعم للجهود والمبادرات الدولية للوصول لتسوية شاملة مبنية على حل الدولتين وعلى حدود 1967″. كان هذا ما جاء في بيان السفارة المصرية بواشنطن بعد اجتماع السيسي بكوشنر، بلا أي تفاصيل تضع حدًّا للتساؤلات والشكوك المتزايدة.

مشكلة إنسانية

ويرى الباحث في الشأن السيناوي والقبلي، عمار خليل، أن التهجير سيخلق مشكلة إنسانية، ولا يعد أمرًا سهلًا على الأهالي.

وقال: إن مشاهد طرد السكان الأصليين لإخلاء سيناء أشبه بهولوكست مصرى بيد إسرائيلية، سوف تترك أثرًا سيئًا فى عيون وعقول أبناء سيناء.

يوافقه الرأى محمد سيف الدولة، الباحث في الشأن القومي العربي، حيث يكشف فى تصريحات له، عن أن ما تروج له وسائل الإعلام بعد حادث سيناء الشهيرة من تهجير أهالي المنطقة، أن هذه المطالب تذكرنا بمطلب الصهاينة بإقامة منطقة عازلة على الحدود المصرية الصهيونية بنطاق من 5 إلى 10 كم.

وحذر من أن الأمر يعد كارثة، حيث إن الأرض الفارغة من السكان هي مطمع للعدو طوال الوقت، ولا يكفينا وجود قوات مسلحة بها، مستشهدًا بما قاله رئيس وزراء الصهاينة الأسبق، مناحم بيجين عام 1979: انسحبنا من سيناء لأنها كانت تحتاج وقتها إلى ثلاثة ملايين مستوطن إسرائيلي للعيش بها، الأمر الذي لم يكن متوفرا، لكن عندما يتحقق ذلك ستجدونا في سيناء.

أكبر خدمة للإرهاب

وفي نفس السياق، أكد الدكتور عمرو الشوبكي، الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بجريدة الأهرام، أن من يطالبون بتهجير أهالي سيناء الذين يقدر عددهم بربع مليون نسمة يقدمون أكبر خدمة للإرهاب، مشبهًا أصحاب هذا الرأي بالمتطرفين اليهود الذين طالبوا بتهجير عرب 48 من إسرائيل بعد اتهامهم بالخيانة والعمالة.

وأضاف “الشوبكي”، في تصريح له، أن محاربة الإرهاب في مصر، وتحديدا بسيناء، يستلزم إخلاء بناية أو حي أو إقامة منطقة عازلة على الحدود، وهي كلها إجراءات استثنائية لها علاقة بمسرح العمليات، أما مجرد التفكير في تهجير محافظة أو أجزاء منها، فهي جريمة مكتملة الأركان؛ لأنها ستفشل في مواجهة الإرهاب، وهذا يعنى فشلا كاملا للدولة المصرية.

فضائح مدوية

مهند صبري، الباحث في الشأن الأمني والعسكري، يقول: بدلًا من الالتزام بالموعد أطلق الجيش المصري حملة “سيناء 2018” التي وصفت بالأشمل والأكبر، والمفتوحة الأمد حتى تحقق أهدافها، مشيرا إلى أن هذه الحملة تسببت في أزمة غير مسبوقة طالت كل أهالي شمال سيناء، وعرضتهم لخسائر باهظة وشلل تام لحياتهم اليومية.

ويضيف “رغم حجم المعاناة، لم تحقق الحملة ما يمكن به تبرير السياسات القمعية المستمرة لليوم بعد سبعة أشهر من المدة الزمنية التي حددها السيسي”.

ويتابع “شهدت شهور الحملة إفشاء أمور حاول النظام المصري إخفاءها على مرِّ سنوات، واعتبرها الكثيرون فضائح مدوية تطول سمعة المؤسسة العسكرية المصرية، كان أكبرها الكشف عن سماح السيسي للقوات الجوية الإسرائيلية بتنفيذ ضربات في سيناء، والسماح للقوات الإماراتية بتنفيذ عمليات على الأرض، وبين هذا وذاك، تتواتر أنباء شبه مؤكدة عن اقتراب بداية تنفيذ ما يسمى بـ”صفقة القرن” على الأراضي التي أصر الجيش المصري على إخلائها من البشر والشجر بحجة الحرب على الإرهاب”.

ويؤكد أنه “لأكثر من عامين، قامت طائرات إسرائيلية بدون طيار، ومروحيات ومقاتلات لا تحمل شارات بتنفيذ أكثر من مئة ضربة جوية داخل مصر، وفي أحيان كثيرة كانت تقوم بأكثر من ضربة في الأسبوع الواحد، كل هذا بموافقة عبد الفتاح السيسي”.

إعمار صهيوني لسيناء

وكشف ديفيد كيركباتريك، مراسل النيويورك تايمز الأشهر في الشرق الأوسط والذي أمضى أعوامًا في القاهرة، عن تسارع وتيرة الجيش المصري في تهجير المدنيين وتدمير كل معالم الحياة في مدينة رفح الحدودية وبعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي المصرية، ويقوم ببناء سياج عازل بطول عشرات الكيلومترات ليقتطع به مئات من الأفدنة المطلة على قطاع غزة.

وهو ما كشفت عنه صحيفة هآرتس الإسرائيلية، التي خرجت بتقرير تفصيلي عن أمل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أن تستثمر دول الخليج- وعلى رأسها السعودية والإمارات- مبلغ مليار دولار لدعم اقتصاد غزة عبر مشاريع بنية تحتية كبرى، من بينها ميناء بحري ومحطة كهرباء وأخرى لتحلية المياه. لكن هذه المشاريع، حسب التقرير، لن تكون في قطاع غزة ولكنها ستقام وتعمل بكامل طاقتها في شمال سيناء، وتحديدًا في المنطقة التي هجَّر الجيش المصري سكانها ودمرها عن بكرة أبيها بحجة الحرب على الإرهاب.

صفقة القرن

وتكشف قضية التهجير والقتل والطرد من الوطن للسكان الأصليين، حجم التعاون العسكري بين مصر وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة الذى بات أمرًا علنيًّا وواضح المعالم يراه الجميع لدعم العسكر.

كما تكشف الأمور الباطنة والظاهرة التى من الممكن أن تكون تحت بند “المصلحة المشتركة” الذي يسوقه البعض، حتى مع إسرائيل التي كانت في يوم من الأيام جيشًا محتلًّا لشبه جزيرة سيناء، وخاضت حربًا امتدت أكثر من عشر سنوات مع مصر. ولكن السرية التي يفرضها السيسي على شراكاته الإقليمية والدولية من ناحية، ودوره المريب فيما صار يُعرف إعلاميًّا “بصفقة القرن” وتقارير متزايدة حول موقع سيناء ومستقبلها في ظل هذه الصفقة، يجعل تصديق أن هذا التعاون يتسم بالبراءة والأهداف النبيلة أمرًا ساذجًا أو تعاميًا مقصودًا.

رابط دائم