وائل قندييل

خمس سنوات ومجزرة ميدان رابعة العدوية مستمرّة، لتصل إلى ذروة مأساتها إلى قرارٍ من محكمة بقتل 75 من الناجين، فيما لا يزال “فاشيست الليبرالية المتوحشة” يردّدون الأكاذيب نفسها عن أن اعتصام رابعة كان مسلّحًا وتكفيريًا.

يستخدمون هنا التقرير الأول الذي أصدرته منظمة العفو الدولية (أمنيستي) في الأيام الأولى من أغسطس/ آب 2013، قبل نحو أسبوعين من تنفيذ المذبحة.

أحد الذين كانوا يعدّون الساعات والدقائق ليستمتعوا بمشاهد فض الاعتصام بالقوة يقطع، في جرأةٍ شديدة، بأن الاعتصام كان مسلّحًا وتكفيريًا، ويستخدم تقرير “العفو الدولية” ليسوق ادّعاءاته بأنه جرت عمليات قتل وتعذيب داخل الاعتصام، تمامًا كما كذب وزير خارجية سلطة الانقلاب، في تلك الأيام، نبيل فهمي، مدّعيًا أن العفو الدولية أوردت، في تقرير لها، أن الاعتصام مسلّح تسليحًا ثقيلًا، وهو الإدّعاء الذي كذّبته المنظمة الدولية ببيان رسمي، الأمر الذي اضطرت معه الخارجية المصرية إلى التراجع عن افتراءات الوزير وأكاذيبه، من دون الاعتذار عنها.

من صحيفة “المصري اليوم”، شديدة الولاء لسلطة الانقلاب، والتي كانت من أنشط مضخّات الأكاذيب الإعلامية في ذلك الوقت، نقرأ في التاسع من أغسطس/ آب 2013: قال السفير بدر عبد العاطي، المتحدّث باسم وزارة الخارجية المصرية، إن الوزير نبيل فهمي “أخطأ سهوا”، عندما استشهد بمنظمة العفو الدولية على “وجود أسلحة ثقيلة” في ميدان رابعة العدوية، حيث يعتصم منذ 42 يوما أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي.

وأضاف عبد العاطي، في تصريحات لوكالة أنباء الأناضول إن “الوزير كان يتحدّث في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (الثلاثاء الماضي) عن حالات تعذيب لمعارضين في اعتصام رابعة العدوية، واستشهد بتقرير لمنظمة العفو الدولية جمع شهادات لمعارضين، يقولون إنهم تعرّضوا للتعذيب”. وتابع أن “الوزير قال إن تقرير المنظمة تحدث عن أسلحة ثقيلة.. بينما الصحيح هو أن التقرير (الصادر يوم 2 أغسطس) تحدّث فقط عن التعذيب.. وما حدث من الوزير خطأ غير مقصود صحّحناه في بيان”.

وفي حوار مع صحيفة الوطن السيسية، قال محمد المسيرى، الباحث في الشؤون المصرية في منظمة العفو الدولية، إن شهادته المنشورة على الموقع الرسمي للمنظمة، بشأن فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس/ آب 2013، تفيد بأن الاعتصام غلب عليه الطابع السلمى. وسألته الصحيفة: هل ما نشرته المنظمة فى الذكرى الأولى لفضّ اعتصامي رابعة والنهضة يمكن أن نطلق عليه تقريراً؟.. هو مجرد تدوينة شخصية لي، وفقاً لرؤيتى الميدانية خلال فض اعتصام رابعة العدوية، ونشرتها المنظمة على موقعها الرسمي بالتزامن مع ذكرى الفض.

غير أن وسائل الإعلام الرسمية انهالت هجومًا على ما اعتبرته تقريرًا للمنظمة، فاستدعت الصحف “حقوقيي النظام”، ليشنوا حملة على منظمة العفو الدولية، ويتهمونها بالانحياز للإخوان المسلمين، ومن هؤلاء نجيب جبرائيل.

فقط حقوقيو النظام ومثقفون فاشيست هم الذين يردّدون رواية الداخلية المصرية أن الاعتصام كان مسلحًا، حتى الكلام المرسل عن عمليات عنفٍ وتعذيب، أوردها تقرير المنظمة على لسان وزارة الداخلية، وحملة بعنوان “أنا ضد التعذيب” دشنت في مقر مركز ابن خلدون الذي كان نشيطًا جدًا في التحضير للانقلاب، في شهر مايو/ أيار 2013 في توقيتٍ لاحقٍ لتدشين حركة “تمرد”، ثم احتفت تمامًا، لتظهر في صفحة فيسبوك، يديرها شخص من كوريا الجنوبية، يبدو أنه فرّ من سلطة القمع.

والحاصل أن تزييف الوقائع وتزوير الشهادات كان أسلوبًا معتمدًا لدى السلطة الصاعدة فوق الدماء، منذ وقت مبكّر، في سبيل شيطنة كل مظاهر الاحتجاج ضد الانقلاب، وتصوير المعتصمين كأنهم مجموعة من المجانين الدمويين الذين يعيقون ميلاد الديمقراطية على يد العسكري. وكما رصدت، في ذلك الوقت، فقد وقع تزوير ترجمة إجابات كاترين آشتون، في مؤتمرها الصحافي الشهير مع نائب رئيس سلطة الانقلاب في ذلك الوقت، محمد البرادعي، وتزوير تقرير “العفو الدولية” عن معتصمي ميدان رابعة، بواسطة أول وزير خارجية لدولة “30 يونيو”، نبيل فهمي، فضلًا عن التزوير والتحريف والتشويه والتوظيف للنصوص الدينية والفتاوى والأحكام الشرعية، لصالح عبد الفتاح السيسي، وإرضاء لشبقه للعب دور الزعيم الديني المصلح المجدّد.

ويبقى اعتصام رابعة العدوية آخر ما تبقى من نبضٍ في عروق الثورة المصرية التي اقتادها الفاشيست، بالخداع والكذب والابتزاز، باسم المدنيّة الزائفة، إلى الجنرالات، ليريقوا دمها، قبل أن يستديروا لالتهام الذين سلّموها لهم.
===========
نقلا عن “العربي الجديد”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم