لجماعة الإخوان المسلمين في السودان تاريخ مليء بالمطبات والعواصف والتي بدأت في ثلاثينات القرن الماضي وصولا إلى تولي الدكتور حسن الترابي دور المراقب العام للجماعة هناك في سيتنات القرن الماضي، ثم انشقاقه وتدبير انقلاب 1989م على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، وهو ما رفضته الجماعة وبقيت مستقلة عن هذه الانزلاقات بين الترابي والجنرال عمر البشير.

وإزاء الأكاذيب التي تروجها الآلة الإعلامية لدول تحالف الثورات المضادة والزعم بأن ما جرى في السودان هو ثورة على حكم الإخوان فإن الحقائق الدامغة تؤكد أن الجنرال عمر البشير لا علاقة له بالجماعة، وهو نفسه أكد ذلك في حوار مع شبكة “سكاي نيوز” في مارس 2015م، مؤكدا أنه لا تأثير له على الجماعة ولا تأثير للجماعة على نظامه وحول الحزب التي تشن على الجماعة وحظرها في مصر والسعودية والإمارات اعتبر ذلك شأنا داخليا يعود لهذه الدول.

هذا الاعتراف وحده ربما لا يراه إعلام دول تحالف الثورات المضادة الموالي للكيان الصهيوني كافيا، وأن البشير أطلق هذه التصريحات لأن الجماعة كانت قد فقدت كثيرا من بريقها وانتشارها ونفوذها بينما كان البشير يتملق للسعودية والإمارات من أجل دعم نظامه اقتصاديا وقد كان قد بدأ في التدهور والتراجع بشدة.

لكن بحسب محللين فإن ثمة 3 أدلة وشواهد تعصف بأكاذيب الآلة الإعلامية للعسكر وتحالف الثورات المضادة حول علاقة البشير بالإخوان منها:

أولا: أن البشير كان ينتمي إلى أفكار حسن الترابي، وهو الجناح الذي انشق عن الإخوان باكرًا، ثم انقلب البشير نفسه على الترابي بعد ذلك

ثانيا: ليس للإخوان عضو واحد في البرلمان ولا رئيس بلدية واحدة بالنظام الحاكم.

ثالثا وهو الأهم: أن الإخوان شاركوا في الاحتجاجات الشعبية ضد نظام البشير، وأصدروا بيانات رسمية تؤكد هذا الموقف.

 

“9” محطات فاصلة

أولا: نشأت نواة الجماعة بالسودان في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان لقرب السودان من مصر -حاضنة التنظيم الأم- أثر كبير على انتشار الدعوة بصورة كبيرة بين أهل السودان وخاصة طلاب الجامعة الذين قدموا للتعليم داخل جامعة الأزهر والجامعات المصرية؛ حيث كان السودان جزءا من الدولة المصرية، ثم فصلتها بريطانيا وسمتها (السودان الأنجلومصري) حتى استقلت عن بريطانيا سنة ١٩٥٦م.

ثانيا: كان الدكتور حسن الترابي “عليه رحمة الله”، مراقبا عاما للإخوان بالسودان وكان قد اعتقله جعفر النميري وعددا من الإخوان، لكن الترابي صالح النميري سنة 1977م، وهو ما رفضه الإخوان وقتها؛ فحدث انشقاق بالجماعة خرج على إثره حسن الترابي وكثيرون معه من الجماعة وأسسوا (الجبهة الإسلامية القومية). كما كان للترابي أفكار وتوجهات اختلف فيها مع إخوان السودان.

ثالثا: بعد انشقاق الترابي، تولى الجماعة حينها الحبر يوسف نور الدايم وأصبح مراقبا عاما للجماعة هناك، ولم يكن للجماعة أي تمثيل مع الحكومة أو النظام. أما الدكتور حسن الترابي فقد اشترك في الحكومات حينها. وقد جرت محاولات عديدة لضم الجبهة الإسلامية بقيادة الترابي للإخوان مرة أخرى تحت الراية العالمية للإخوان المسلمين لكن الترابي كان يرفض بحجة خصوصية السودان ورفضا لتدخل التنظيم العالمي للجماعة في السودان رغم علمه أن التنظيم العالمي هو مجرد تنسيق جهود وليس تبعية.

رابعا: ظلت الأمور على هذا النحو حتى وقعت مظاهرات 1985 ضد حكم جعفر النميري، ونفذ الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب انقلابا على النميري وحكم لمدة عام واحد ثم سلم الحكم لحكومة مدنية منتخبة بقيادة الصادق المهدي رئيس حزب الأمة، ويعتبر سوار الذهب هو الجنرال الوحيد الذي سيطر على الحكم ولم يطمع في السلطة وسلمها لحكومة منتخبة.

خامسا: في سنة 1989م، قام عمر البشير وكان برتبة “عميد” ومعه عدد من ضباط الجيش والمدنيين بعمل انقلاب على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، واستطاع السطو على الحكم؛ وكان حسن الترابي أكبر داعمي عمر البشير، حيث اتضح أن الترابي هو الأب الروحي للانقلاب والمدبر الرئيس له وكان البشير عضوا بالجبهة الإسلامية القومية المنشقة عن الإخوان المسلمين.

سادسا: رفضت جماعة الإخوان المسلمين بالسودان التحالف مع عمر البشير لما قام به من تجاوزات مثل قتل عدد من الضباط بصورة غير مبررة.

سابعا: استمر التحالف بين البشير والترابي من 89 حتى 99 ثم انقلب البشير على الترابي وقلص نفوذه في سلطات الدولة؛ ما دفع الأخيرة إلى تكوين حزب جديد “المؤتمر الشعبي” ومثل أحد أكبر أحزاب المعارضة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي قاده البشير وضم أطياف من كل الفئات والأيديولوجيات. وكلاهما منشق عن الإخوان بينما بقيت الجماعة الأم بعيدة عن السلطة.

ثامنا: أقدم البشير على مصالحة عامة كان الإخوان جزءا منها، بالإضافة إلى حركات الجنوب السوداني (جمهورية جنوب السودان حاليا)، وكان من نصيب الإخوان كجماعة رسمية عدد من المناصب في الوزارة أو حكومات الولايات كمشاركة نسبية وبسيطة.

تاسعا: تجدر الإشارة إلى شخصية بارزة هي الدكتور والمفكر عصام البشير، وهو أحد كوادر الجماعة الذين رشحتهم الدولة لوزارة الإرشاد ذات مرة لكن الجماعة قررت عدم المشاركة في هذا المنصب وطلب من عصام البشير رفض التكليف، إلا أن الدكتور عصام خالف قرار الجماعة وقبل المنصب، ومن ثم تم فصله من الجماعة حتى لا يحسب عليها، فبات لا تربطه علاقة تنظيمية بالجماعة من وقتها، ثم انضم لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، ثم تفرغ للعلم وهاجر للخليج.

عاشرا، من أهم الشخصيات التي تولت “مراقب جماعة الإخوان” بعد انشقاق الترابي:

– الحبر يوسف نور الدائم(١٩٧٩-١٩٩١)

– صادق عبدالله عبدالماجد (١٩٩١-٢٠٠٨)

– الحبر يوسف نور الدائم (٢٠٠٨-٢٠١٢)

– علي محمد جاويش (٢٠١٢-٢٠١٦) تم إعفاؤه من منصبه لتجاوزه الشورى ومخالفة اللوائح.

– د. عادل علي عبدالله إبراهيم المراقب الحالي للإخوان المسلمين

Facebook Comments