ظلت السياسات الأوروبية لحقوق الإنسان تجاه مصر، مخيبة للآمال وتتميز بالنفاق وتغليب مصالحها على انتهاكات حقوق الانسان والقتل والتعذيب المتصاعد في مصر، ومع انقلاب السيسي وتعاظم سياسات القتل الجماعي والتعذيب والقمع، توقع كثيرون ان يهرول الاتحاد الأوروبي للدفاع عن حقوق الانسان، ليفاجئ الجميع بتوثيق الأوروبيين علاقتهم مع السيسي والدفاع عن قمعه مقابل مصالحهم وصفقات سلاح قدمت لهم كرشاوي من سلطة الانقلاب.

وقد أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان دراسة بعنوان: تقرير: حالة حقوق الإنسان في العالم العربي 2017-2018، رصد فيها هذا التحول الجذري في التعامل الغربي الصادمة مع الانقلاب وتغليب لغة المصالح على حقوق الإنسان.

  • بداية التنازل

ويشير التقرير لأن بداية التنازل الاوروبي لصالح سلطة الانقلاب جاء بانعقاد اجتماع تجديد مجلس الشراكة المصري اﻷوروبي في يوليه 2017، بعد أن توقفت مجالس الشراكة المصرية اﻷوروبية منذ أبريل 2010، بسبب القمع والتحولات السياسية التي مرت بها مصر منذ عام 2011.

وكان من الواضح أن تطوير الشراكة المصرية اﻷوروبية، في هذا الوقت الذي تشن فيه سلطات الانقلاب حملة مسعورة ضد الحقوق والحريات العامة، “بمثابة مكافاة لا تستحقها حكومة عبد الفتاح السيسي، وتستراً على جرائم نظامه التي لم تشهدها مصر عبر تاريخها الحديث”.

فبدلا من توظيف الاتحاد اﻷوروبي فرصة عقد مثل هذا الاجتماع السياسي رفيع المستوى للضغط لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وربطه بحزم المساعدات الجديدة من أوروبا لنظام السيسي بين عامي2017-2020، أضاع مسئولو الاتحاد اﻷوروبي الفرصة زاعمين أن وجود تحسين علاقتهم بنظام السيسي وعقد هذه المجالس الحوارية “يسهل من طرح قضايا حقوق الإنسان.

لهذا تؤكد الدراسة أنه “كان من الأولى بالاتحاد اﻷوروبي في ظل سلسلة اﻷزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الحالية في مصر، وما تشكله من تهديد لأمن واستقرار المنطقة ككل، أن يكون على قدر أكبر من المسئولية السياسية واﻷخلاقية في مقاربته للأوضاع الداخلية في مصر، خاصة أن عديد من الدول اﻷوروبية في الفترة اﻷخيرة عززت بشكل مباشر من إمكانيات وقدرات مؤسسات القمع في مصر عبر التعاون العسكري واﻷمني”.

ونادرا ما يلجأ الاتحاد اﻷوروبي إلى تطبيق سياسات عقابية في إطار سياساته الخارجية تجاه انتهاكات حقوق الإنسان، على عكس فرض الشروط والمتابعة اﻷكثر حزماً فيما يتعلق بتحرير التجارة، واستقبال الصادرات المصرية في اﻷسواق اﻷوروبية بمعايير جودة معينة، وتحسين مناخ اﻻستثمارات اﻷجنبية، والتعاون في مجالات الأمن ومواجهة الهجرة غير المنتظمة.

وعلى الرغم من أن الوثائق الاستراتيجية اﻷوروبية الرسمية، ومواقف البرلمان اﻷوروبي تشير إلى وجود حالة من القلق تجاه مستقبل الاستقرار السياسي والتماسك المجتمعي في مصر، ومخاوف من انعكاسات أوضاعها المحلية على الاستقرار اﻹقليمي، إلا أن الاتحاد اﻷوروبي لم ينجح في استثمار اﻷليات والفرص المتاحة له في علاقاته بالحكومة المصرية للضغط عليها أو تحفيزها لتغيير نهجها الداخلي خاصة فيما يتعلق بقضايا الحريات العامة، أو حرية واستقلال المجتمع المدني.

وكرر الاتحاد الاوروبي بذلك أخطاء الماضي في حصول الدول المستبدة الشريكة له، كما كان الحال وقت حكم الرئيس المخلوع مبارك، على مختلف الامتيازات الاقتصادية والأمنية والعسكرية التي تكرس الاستبداد وتخدم استقرار القائمين على الحكم دون تقديم شيء يذكر لصالح الشعوب.

  • سر الانقلاب في الموقف الأوروبي

هناك تغير في الموقف الأوروبي أو تبرير لهذا الانحياز لدعم الانظمة الديكتاتورية العربية تلخصه “سياسة الجوار الأوروبية المعدلة، في الاهتمام بـ “استقرار المنطقة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية”، بحيث يكون هذا في صميم السياسة الجديدة.

ومن ثم فهم يرون أنه رغم أن الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الفساد، وضعف التنمية الاجتماعية والاقتصادية والفرص المتاحة للشباب، وغياب العدالة الاجتماعية، وهذه المشاكل تؤجج التشدد والاحتجاج والتطرف العنيف، إلا أن “الاستقرار” أهم وهو ما تحقق الانظمة القمعية مثل نظام السيسي.

ومعروف أن “سياسة الجوار الأوروبي”، تعكس استراتيجية الاتحاد الأوروبي العالمية لعام 2016، وتطرح مفهوم “البراجماتية المبدئية” مع التركيز القوي على أمن أوروبا، والتركيز الضعيف على الديمقراطية، حيث يعتبرون “الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون” مجرد “قيم”، وليست “معايير ملزمة”.

لهذا يبدو من الغريب أن تظهر حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون وحماية المجتمع المدني في جميع وثائق سياسات الاتحاد الأوروبي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك مصر، باعتبارها أساسية، وكذا في وثائق السياسات العالمية، فضلا عن المبادئ التوجيهية العالمية ووثائق السياسات واستنتاجات الأبحاث (بشأن المجتمع المدني، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والتعذيب، وحقوق الشواذ )، ومع هذا فلهم لا يلتزمون بما يقرونه في مواثيقهم.

وتشير سياسة الجوار الأوروبية المعدلة إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتزم رسميا دعم الديمقراطيات “في حال ظهورها في المنطقة العربية، ولكنه لن يحاول الضغط على حكومات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تنتهج القمع والثورة المضادة”!!

والواقع أن الخطاب الأوروبي المعلن بشأن مصر يكرس دائما وبشكل متزايد لاحترام حقوق الإنسان كشرط للاستقرار والأمن وكسياسة فعالة لمكافحة الإرهاب، ومع ذلك، لم يستخدم الاتحاد الأوروبي إلا القليل من نفوذه -وهو محدود أصلا، ولكنه ليس ضئيلا-في هذا الاتجاه، كما لم تستخدم الدول الأعضاء نفوذها القوي.

فحجم المساعدات المالية المقدمة من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء والمؤسسات المالية الأوروبية إلى مصر في أشكاله المختلفة، المنح والقروض ومبادلة الديون، ينصّب أوروبا كالمانح الأول والأكثر أهمية لمصر مع وصول حجم المساعدة المالية الأوروبية الجارية لمصر من كافة مؤسسات الاتحاد اﻷوروبي والحكومات اﻷوروبية إلى أكثر من 11مليار يورو، حسب دائرة العمل الخارجي الأوروبي في يوليه2017.

ويبدو أن الرغبة في مشاركة مصر في مواضيع ذات اهتمام أوروبي عاجل، كما تؤكد دراسة مركز القاهرة لحقوق الانسان: “أصبح لها الأسبقية على أي تحفظات بشأن توجهات عبد الفتاح السيسي”.

*تطبيع رسمي رغم جريمة ريجيني

عززت المخاوف الأوروبية بشأن الأزمة المالية والاقتصادية المتزايدة في مصر في عام 2016 قرار العودة إلى التطبيع الرسمي للعلاقات اﻷوروبية المصرية بعد فترة تهدئة في ربيع عام 2016بعد مقتل الباحث الايطالي جوليو ريجيني.

وأدى ذلك إلى تصميم قوي على إيجاد سبل لدعم (السيسي) قدر الإمكان من خلال جميع أدوات السياسة العامة، في محاولة لتأجيل أو منع انهيارنظامه وما يترتب على ذلك من سيناريوهات كارثية.

ويرى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء أنهم لا يستطيعون إجبار نظام السيسي على معالجة جميع المشاكل الأخيرة، ولكنهم يستطيعون الدفع بهذا الاتجاه عن طريق الضغط ضد التدابير التي تتخذها مصر.

ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان في العواصم الأوروبية وفي بروكسل، في تبرير سياستهم: “وما البديل عن حكومة السيسي؟ نعم، سياسات حكومته مضرة، ولكن أين هي المعارضة؟ أين نشطاء 2011؟ أين الحركات الاجتماعية؟ يجب أن يأتي التغيير من داخل مصر، ولا يمكن أن تفرضه أوروبا”.

ومنع نظام السيسي الحراك الشعبي الهادف للتغيير في هذا المجال عن طريق قمع حركات العمال، ونشطاء النقابات العمالية، والمنظمات غير الحكومية المعنية بالحقوق الاقتصادية، والاحتجاجات حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن سن التشريعات القمعية ضد النقابات العمالية وإضرابات العمال، على سبيل المثال.

وتثير الجمعيات الاهلية (المدعومة أوروبيا) الخلاف بين الطرفين وفي نوفمبر 2016، جاء قانون جديد وحشي للمنظمات غير الحكومية، من المتوقع أن يؤدي تنفيذه إلى إغلاق المنظمات غير الحكومية المستقلة المعنية بحقوق الإنسان، وحظر الدعوة إلى الحقوق المدنية والسياسية، بل سيؤدي إلى وضع جميع منظمات المجتمع المدني المصرية تحت السيطرة الصارمة للدولة فيما يتعلق بجميع جوانب تسجيلها وتمويلها وأنشطتها وتعاونها مع الكيانات الخارجية (بدءا من نهاية 2018عندما تنتهي السنة المنصوص عليها كمهلة لتقديم طلب التسجيل).

وهذا يعني الخنق التدريجي للعديد من هذه المنظمات وأثار ذلك قلق واضعي السياسات في الاتحاد الأوروبي، لكنهم قرروا وضع الصيغة النهائية لمفاوضات أولويات الشراكة في ديسمبر 2016بلغة مبهمة بشأن التعاون مع المجتمع المدني، استنادا إلى تأكيدات غير معلنة من مصر مفادها أن مشروع قانون المنظمات غير الحكومية لم يُحل إلى الرئاسة للمصادقة عليه، ولن يقر على النحو الذي تبناه البرلمان.

وفي أواخر مايو 2017 صادق السيسي على القانون (الذي أصبح القانون رقم 70/2017). والأسوأ من ذلك، أن هذه المصادقة جاءت في خضم سلسلة من الإجراءات القمعية بين أبريل ويونيه، والتي صعدت من حملة قمع شاملة بمصر باسم مكافحة الإرهاب، وأُخذ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء على حين غرة.

في عام 2017، اعتادت لغة التصريحات العلنية من دائرة العمل الخارجي الأوروبي (وهي دائما تصريحات من المتحدث، لا تصدر أبدا عن الممثلة السامية فيديريكا موجيريني نفسها) عن مثل هذه الحالات والقضايا العاجلة في مصر على أن تنتهي إلى لغة خفيفة جدا وضعيفة، في مواجهة انتهاكات حقوق الانسان في مصر.

*بيان ضعيف

وكان بيان “دائرة العمل الخارجي الأوروبي”، بشأن قانون الجمعيات الاهلية القمعي أضعف كثيراً من بيانات أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوري الرئيسيين الثلاث ووزيرة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ورئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، والمفوض الألماني لحقوق الإنسان، ووزارة الخارجية البريطانية، وحتى وزير الخارجية البلجيكي اليميني.

*دفاع عن القمع خوفا من الإخوان

وترى بعض الحكومات الأوروبية مثل حكومة “أوربان” في المجر الاستبداد كحالة مطلوبة للدول العربية، وذلك بدافع من قرب هذه الحكومات الأيديولوجي من السيسي، فيما يُقدم عدد من زعماء أوروبا الشرقية والجنوبية السيسي “كحامي للأقلية المسيحية المحاصرة في مصر”، والتي يزعمون أنه “أنقذها من خطر القمع الشديد في ظل حكم الإخوان المسلمين”

وبشكل عام، كان واضحا (لسنوات، وليس فقط في2017) أن الهجرة ومكافحة الإرهاب تسيطر على أجندات السياسة الداخلية والخارجية في أوروبا وأصبح هذا الموضوع، إلى جانب كراهية الأجانب، والخوف من الإسلام، واستمرار صعود اليمين المتطرف في أوروبا، عوامل قوية مباشرة وغير مباشرة تؤثر على بعض حكومات الدول الأعضاء والوكالات الأوروبية.

وخلال عام 2017 سعت بعض الدول الأعضاء مثل اليونان والمجر -فضلا عن قبرص وبولندا وسلوفاكيا وغيرها -لعرقلة نشر ومناقشة بيانات بشأن قضايا أو حالات حقوقية في مصر، كما عملت على تحقيق تعاون أوثق وتقديم المزيد من الدعم المالي والسياسي للنظام.

*قرارات البرلمان الأوروبي غير ملزمة

رغم ان البرلمان الأوروبي أصدر بيانات ضد السيسي وقمعه، إلا أنه لا يملك سلطة اجبار الاتحاد الأوروبي على اتخاذ مواقف معينة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ومع ذلك، فإن المواقف السياسية لأكبر المجموعات السياسية [الاسم الذي يطلقه البرلمان الأوروبي على الأحزاب] في البرلمان الأوروبي تجاه بلد معين يمكن أن تؤيد أو تعوق قرار المؤسسة بمناقشة قضية أو وضع عام لحقوق الإنسان في دولة ما في الشرق الأوسط. وربما تأتي هذه المناقشات في جلسة عامة أو في لجنة خاصة أو تبعا لوفد ذي صلة.

وفي عام 2017، رفضت أكبر جماعتين سياسيتين من يمين-وسط/يمين (حزب الشعب الأوروبي) ويسار-وسط، إجراء مناقشة معلنة شاملة بشأن مصر (آخرها كان في 15يناير 2015) أو حتى إصدار قرار عاجل.

*خلاصة الموقف الأوروبي

في عام 2017، نجح الضغط من جانب المجتمع المدني في ضمان انتباه الاتحاد الأوروبي واهتمام الدول الأعضاء بالأوضاع المقلقة في مصر، كما ساعد على إبقاء حالة حقوق الإنسان على جداول الأعمال الأوروبية، بينما كانت السياسات الأوروبية لحقوق الإنسان تجاه مصر هذا العام، في العموم، مخيبة للآمال.

وواصلت دائرة العمل الخارجي الأوروبي والمفوضية المسار الذي اختاراه نحو التطبيع الكامل للعلاقات الثنائية الرسمية وتعزيز الدعم المالي لمصر من خلال قنوات مختلفة.

ويعد إنفاق الحكومة المصرية على شراء الأسلحة الكبيرة (والتي لا يمكن استخدامها مباشرة في مكافحة الإرهاب) في الفترة 2014-2016مبلغا يساوي تقريبا قرض صندوق النقد الدولي لعام 2016، أمر لا يبشر بالخير فيما يتعلق بالحكم الرشيد والتخطيط المالي الحكيم.

ومن المفارقات، أنه في عام 2017كانت الولايات المتحدة الأمريكية، تحت إدارة ترامب، هي من اشترط ربط حقوق الإنسان على الطاولة مع مصر، ولم يفعل ذلك الاتحاد الأوروبي (الذي وصفته نظريات العلاقات الدولية بأنه “قوة معيارية”).

رابط دائم