بظهور نتائج الانتخابات التركية التى جرت الأحد الماضى، نستطيع مقارنة هذه التجربة الحضارية المحترمة مع تجربتنا المصرية تحت حكم العسكر، والنظر فى آثار ونتائج هذه وتلك، وقد نقلت وسائل الاتصال الحديثة التجربتين على الهواء، لحظة بلحظة، وعلم القاصى والدانى أيتهما تستحق الإشادة وأيتهما تبوء بالخسران..

لا شك أن التجربة التركية فى الديمقراطية جاءت بعد صراع لعقود بين العسكر والقوى الشرعية، وقد تمخضت عن فصيل وطنى شريف له معتقداته ومبادئه واجتهاداته؛ ما أثمر -فى أقل من ثلاثين عامًا- عن نظام ديمقراطى رائع، أحدث انقلابًا على المستويات كافة، ونقل البلاد من خانة التخلف إلى خانة الحضارة، بعدما نهشت الانقلابات العسكرية جسد هذا البلد الأوربى الإسلامى العريق الذى صار الآن قدوة يُستن بها، وقوة يُعمل لها ألف جساب.

الذين قادوا التجربة التركية لا ينقادون برغبة أو رهبة إلا لمصالح بلدهم، ولا يعرفون التبعية لشرق أو لغرب، ولا يعملون لأنفسهم وذويهم، ويؤمنون بحق شعبهم فى العيش بأمن وكرامة؛ من ثم فإن التقدم والقوة اللتين شهدتهما تركيا فى العقود الثلاثة الماضية كان بفضل هذه الثلة المباركة وهؤلاء الحكام الأوفياء، الذين أخلص لهم الشعب، ووثق بهم، ودافع عنهم، وقد رأينا أبناء هذا الشعب يواجهون دبابات الخونة فى انقلاب 2016، ورأينا انتخابات الأحد الماضى (24 يوليو 2018) تتم بأرقى صورة حضارية؛ فاستغرقت الجولة كلها (رئاسة، برلمان) بضع ساعات، شارك فيها ما يزيد على 80% ممن لهم حق التصويت، وطوال اليوم الانتخابى لم يقع حادث واحد، ولم تجر احتكاكات بين المتنافسين فيها، ولم نر طبلاً ولا زمرًا، ولا رقصًا ولا كيدًا، بل رأينا مندوبين رسميين يتوجهون إلى محال إقامة المرضى والعجزة لئلا يُحرموا من المشاركة فى هذا العيد القومى المجيد.

ولقد أثبتت هذه التجربة الانتخابية والتى استمرت لساعات -كما ذكرنا- أن الشعوب الحرة تكون بموالاتها ومعارضتها، وليست بطرف دون الآخر، فالمنافسة مطلوبة لكن الجميع يعمل لصالح الوطن، ويرضى باختيارات الشعب من دون مزايدة أو تدليس. رأينا ذلك فى المنافس الرئيس لأردوغان، والذى حصل على نحو 30% من جملة الأصوات وقد خرج فور إعلان النتيجة مهنئًا منافسه، مثنيًا على شعبه وعراقته، والأهم: مطالبة أردوغان بأن يكون رئيسًا للجميع، أو كما قال: بالأمس كنت منافسًا لى، واليوم أنت رئيسى ورئيس الأتراك جميعًا، فلتكن على قدر هذه المسئولية..

وكان من نتائج السلوك الحضارى للأتراك فى الحكم، وخصوصًا فى الانتخابات الأخيرة؛ أن العالم كله وقف احترامًا وتعظيمًا لهذا الشعب وسلطته، والعالم الآن لا يحترم إلا ذلك الصنف من الدول الذى يعزز قيم حقوق الإنسان، ويرعى كرامة مواطنيه، ويعلى من شأن الفرد داخل منظومة الدولة. لقد ارتفعت قيمة الليرة التركية بشكل كبير بعد ساعات من انتهاء الانتخابات، وقيل إن بشائر الاستثمارات الضخمة بدأت فى الظهور خلال اليومين الماضيين، ولا شك أن كل هذا سيدفع نحو استقرار سياسى واقتصادى وأمنى يتيح لتركيا الانطلاق فى جولة جديدة من السباق الحضارى على المستويات كافة، فضلاً عن فرصتها فى تحصين نفسها ضد قوى الشر التى تستهدفها، ولم لا وحكام البلد قد جاءوا باختيار الشعب وبأمره؟

وإذا انتقلنا إلى التجربة المصرية فسنجد إسفافًا فى كل شىء، بدءًا من عدم شرعية الانتخابات؛ لأنها أتت من منقلب، والمنقلب لا شرعية له، وانتهاء بما شهده يوم إجرائها من العبث بكل القيم والمواثيق. لقد جرى التزوير (على عينك يا تاجر) حتى حصل من لا اختيار له من الشعب على أكثر من 90% من الأصوات، وحتى قيل إن عشرات الملايين شاركوا فى الانتخابات فى حين فضحهم الواقع الذى سجلته حتى عدساتهم، ولا يزال التدليس مستمرًا حتى صوروا للناس أن الشعب كله يهتف بحياة الزعيم أمام اللجان، وفى الواقع كان هؤلاء (الهتيفة) وتلك الراقصات من (المسجلين والمسجلات خطر).

إسفاف بكل المقاييس، ورعونة غير مسبوقة نتج عنها ما نحن فيه من انسداد سياسى، وتفسخ اجتماعى، وتبعية مقيتة، وانهيار اقتصادى ينبئ باقتراب الإفلاس. ولئن سألت حتى إخوانك العرب عن مصر والمصريين لقيل لك ما قال مالك فى الخمر. لقد صرنا أضحوكة العالم الذى تتنافس دوله للخروج من دائرة الفقر والتخلف فى حين يبذل من تسلطوا علينا أقصى ما يستطيعون لإدخالنا فى بئر التراجع، وإغلاق كل السبل للنهوض من ذلك المستنقع الآسن الذى أغرقونا فيه.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم