صناعة الدكتاتوريات في مصر تبدأ بشعار أجوف ولافتة تأييد بالروح والدم تعلق على نواصي الشوارع، وهو ما رأيناه، من قبل في مصر الناصرية، والآن مع السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وفي العراق تحت حكم الطاغية صدام حسين وفي ليبيا، تحت حكم العقيد المخبول، معمر القذافي وفى سوريا، تحت الحكم السلطوي لحافظ الأسد، ومن خلفه ابنه السفاح بشار الأسد.

يقول الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: “شهدت الدول الدكتاتورية مثل ليبيا وسوريا والعراق وغيرها ظاهرة تسمى “التأييد خوفًا”؛ حيث يلجأ المواطنون لإعلان التأييد والولاء، ليس دعمًا ولكن خوفًا من الدكتاتورية وأتباعها”.

التخويف من انهيار الدولة

وقبل نحو خمس سنوات، جاء عبد السفيه السيسي إلى الحكم بانقلاب على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، وصحبت تفاصيل الانقلاب انطلاق مدفعيات التأييد والتخويف معا، التخويف من انهيار الدولة، بوصفه حاميا ومنقذا، وراحت دوائر متعددة تمهد لتوليه الحكم، رجال أعمال، نخب إعلامية وسياسية تروّجه.

تيارات ليبرالية ويسارية وإسلامية تمسك الدفوف، ولكل تيار منطقه ودوافعه، فالسفيه السيسي، عند اليساريين المؤيدين له، سيقف ضد الظلاميين، وسينشر التنوير، وسيهزم خصومهم من الرجعيين، وعند السلفيين أمثال عصابة الشيخ برهامي الذي كان يحرّم السياسة، والعمل بها، قبل ثورة يناير ٢٠١١!.

في بداية الانقلاب شدد برهاني على أنه لا بد من تأييد السفيه السيسي؛ لأنه “رجل المرحلة، والأقدر على قيادة البلاد”، وليس لأنه سوف يطبق الشريعة، ويقيم الحدود، ويحكم بالكتاب والسنة، باعتبار ذلك هدف الدعوة السلفية الرئيسي، ومريديها، كما كان يدّعي طوال الأعوام الماضية، ومع بداية مسرحية انتخاب السفيه 2018، خرج الأمنجي برهامي ليقول “سيأتي يوم تقولون الله يرحم أيام السيسي، كما قلتموها من قبل على أيام حسني مبارك”!.

فزاعة سوريا والعراق!

وإمعانًا في نشر الخوف بين الناس، أضاف برهامي موصلاً رسالة للعسكر، أن على الشعب تحمل حالة الغلاء، وأن الدول المجاورة التي تعرضت للفوضى والبلطجة يتمنون العيش في حاله فقر وغلاء مقابل الأمن والسلام لشعوبهم؛ حيث أصبحت تلك الدول ضعاف بالفوضى والبلطجة، وانتشر بينهم فكر القاعدة، والليبراليون، والعلمانيون، والشيوعيين، والحوثيين، فأصبحت بلادهم خرابا!

ويعد ياسر برهامي أحد أعمدة انقلاب 3 يوليو في مصر، حيث ظهر بجانب قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي على أنه رمز للسلفيين والتيار الديني في مصر، ويمارس الأمنجي دعاية ما يُعرف بـ”التأييد خوفاً”، وهو تلك الرسالة المعدة والموجهة سلفًا في أروقة المخابرات العسكرية والأمن الوطني، للتأثير بشكل متعمد على أفكار وأفعال الجمهور فرادى أو جماعات، يتم ذلك التوجيه عبر رسائل خاطئة، فهي عملية “كذب” وظيفية تتم بنشر كم من المعلومات لا يهم إن كان ذا مصداقية أو غيره ما دام سيدفع المتلقي لتبني الفعل المطلوب مضطراً تحت سياط الخوف.

ذلك “التأييد خوفاً” الذي يستخدم لإصابة الجماهير في أفكارهم بطلقة واحدة، هي التقنية التي يستغلها الطغاة للترويج لأنفسهم ولمنجزات لا تتواجد غير في أوهام عقولهم الباطنة، وإذا ما تجرئ أحد على مناقشتهم في تلك المنجزات الوهمية، استخدمت نفس الآلة الدعائية لاغتيال هذا المتجرئ معنويًا، ولا مانع من اتهامه بالخيانة والعمالة وانعدام الوطنية.. وربما اعتقاله والحكم عليه بالإعدام!

وتفسَّر سطوة السفيه السيسي وتأييده خوفاً باللافتات والبنرات والإعلانات بقلّة وعي الناس بحقوقهم وواجباتهم، وبتضخم جهاز العصابة البوليسية القامعة وانتشار ثقافة الخوف، فالسفيه بات يظن نفسه الحاكم بأمره وتَسْندُه الشرطة والعسكر والجواسيس والمخابرات، والمؤسسات الإعلامية باتت هي الأخرى فضاءاتٌ لتكريس أفكاره وترويج منجزاته الفنكوشية، وهو ما أصابه بداء جنون العظمة، ويُخيل إليه أنه مالك زمانه، وأنه صاحب فضلٍ على الناس، فزاد في نهج الاستبداد وجدّ في استتباع النّاس بالقوة، ونافس الله في عرشه، فتم الوصل بين الله والسيسي على نحو يصبح معه تقديس السّفيه من تقديس الله، وهو ما دعا إلى هشام الشعيني، عضو برلمان الدم، ورئيس لجنة الزراعة، عندما ناشد المواطنين بالتكاتف حول السيسى في مسرحية الانتخابات، والتصويت له وألا تقل النسبة عن 50 مليون، قائلًا: “عبد الفتاح السيسي منفوح من سيدنا الحسين، وهو ولي من أولياء الله الصالحين”!

وهكذا بات اتباع السفيه السيسي في ديانة 30 يونيو ضرورةً، ونقد حكمه بإجماع شيوخ وفقهاء وعلماء ودعاة الانقلاب جريرة كُبرى، وأدّي ذلك إلى إنتاج جمهورية التأييد خوفاً، والتي تتقزم الآن وتتلاشى وسوف تسقط في نهاية المطاف لا محالة.

رابط دائم