صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعى تنبئك أين نحن من التقدم العالمى والتحولات الدولية. الصورة لمعلمة مصرية تمسك بجهاز ذكى «تابلت» وأمامها مجموعة من الطالبات يمسكن أيضًا بأجهزتهن. الغريب فى الصورة هو مقاعد الفصل المتهالكة والتى لا تتناسب -إطلاقًا- مع صورة «التابلت»، وأيضًا باب الحجرة الذى أكل عليه الدهر وشرب، وقد وضعوا أمامه حجر بال كى يمنعه من الغلق.

من أجل ذلك لم أندهش عندما فشلت تجربة الوزارة فى إجراء امتحان على هذا النوع من الأجهزة وقد ادّعوا «وقوع السيستم»؛ إذ من الطبيعى ألا تنجح تجربة كهذه ونحن لا زلنا نعيش بعقلية خمسة عقود مضت. وقسْ على ذلك باقى المجالات؛ وأولها بالطبع مجال الحكم الذى هو قاطرة الجميع، والناس على دين ملوكهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

أينما توجهت تجد تطورات هائلة، إلا نحن، على الأصعدة كافة فالعالم صار ينجز فى سنة ما كان ينجزه فى مائة، وما كان يصلح بالأمس لم يعد صالحًا اليوم، وهناك ثورات عالمية واختراعات قلبت موازين الكون، بدءًا من ثورة الاتصالات وفى طليعتها الإنترنت، وانتهاء بتطبيقات الذكاء الاصطناعى، ولا زال الباب مفتوحًا لثورات جديدة -أظنها قريبة- وقد مهدت أدواتها لفتح ثغرات مهمة فى مجال السيطرة على الأرض والبحر والجو؛ خصوصًا بعد اكتشاف خريطة الـ(DNA) عام 2000، وما سوف  يستتبعها من التعرف على مسببات الأمراض المستعصية ومن ثم التوصل إلى علاجاتها.

إن الديكتاتوريات الغبية التى لا زالت تتعامل مع شعوبها بمناهج القرون الوسطى مؤملة فى السيطرة عليها كما كان يفعل أسلافهم، غابت عقولهم عن استيعاب ما يجرى فى العالم من حولنا؛  فالعالم الآن فى مرحلة ما بعد الديمقراطية؛ أى أنه يسبقنا بخمسين سنة على الأقل، هذا فى المجال السياسى، فما ظنك بباقى المجالات؟

العالم يبحث الآن عن مصالحة الخاصة، وزعماء الدول يفكرون لخدمة مواطنيهم بالدرجة الأولى بعيدًا عن أى اعتبارات أخرى؛ بريطانيا انسحبت من الاتحاد الأوروبى لأسباب تخص الإنجليز، والأمريكان أتوا برئيس متطرف معتوه؛ لأنه وعدهم بتوفير وظائف وأموال، وقد فعل، وأوروبا التى كانت تفتح ذراعيها للاجئين والمهاجرين صارت مؤتمراتها لا تنفض لئلا يدخل أراضيها مهاجرون أو لاجئون، متخلية بذلك عن ثوابتها الليبرالية دفاعًا عن مصالحها الذاتية، وقد أفسحت المجال للأحزاب اليمينية المتطرفة لمواجهة ظواهر الهجرة واللجوء وتنامى الإسلام.

الكون كله مستنفر-إلا نحن؛ حيث انشغل النظام ببناء السجون واعتقال الإخوان- لملاحقة التطورات فى عالم التكنولوجيا، وهو ما قد يفقد الأنظمة السيطرة على شعوبها؛ لأن هذه التكنولوجيا الرهيبة صارت فى أيدى المهندسين وليست فى أيدى الساسة، وهى تتطور كل ثانية، فقوة الكمبيوتر تتضاعف كل 18 شهرًا، وقد حقق الذكاء الاصطناعى تطورات مذهلة، وتلاشت الأفكار القومية، وتنامى صراع الحضارات، وكلٌ يبحث عن وسيلة ينقذ بها نفسه من الضياع لئلا يكون كالأيتام على موائد اللئام.

وهناك سؤال يطرحه المهتمون بهذه القضية: ماذا سيكون سوق العمل عام 2050 فى ظل هذه التطورات؟ حتى الآن لا يستطيع أحد الجزم بإجابة، فى ظل تحولات جذرية كما ذكرت؛ فمنذ عام 2009 ظهرت العملات الرقمية المشفرة أو «المعماة»، وهذه العملة يتوقعون أن تلغى العملات التقليدية؛ لأنها الأكثر أمانًا وقد تم تجربتها فى هذا الجانب إبان أزمة اليونان المالية. أما خطورة هذه العملة فلأنها غير مركزية، ولا تخضع لحكومة، وسوف تلغى البنوك والمؤسسات المالية. وهناك أيضًا عالم «الروبوت» الذى سيحل محل الإنسان؛ والذى تتنافس فيه اليابان وكوريا والصين وألمانيا؛ فمن المتوقع أن يلغى وظيفة  السائقين مقللاً الحوادث إلى أدنى مستوياتها، كما سيحل محل الأطباء العموم والصيادلة وغيرهم. إذًا ماذا سيكون حال السوق وقتها؟ وماذا تفعل الدول للحفاظ على نظامها؟ أم ستنهار فكرة الدولة ويعود العالم لحكم العائلة أو القبيلة؟

نحن أمام تحديات كبيرة وخطيرة، لا ينجو منها إلا المتسلح بأسلحتها، وهذا ممتنع عن الديكتاتوريات المتخلفة؛ إذ من المتوقع أن تزول الدول الضعيفة لتحل الأقوى محلها؛ وهذا لا يكون بالحروب المعتادة، إنما بالهجمات الإلكترونية، السايبرانية، فنحن فى عصر مختلف، القوة فيه لمن برع فى هذه العلوم وسعى بإخلاص لخدمة وطنه، وقد سار من الأساطير الحديث عن ديمقراطية أو ديكتاتورية، فالفرد الآن أمة وحده، من المحال تدجينه أو وأد حريته كما كان يُفعل به فى السابق.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم