على الرغم من إشراف ومراقبة ما تسمى “الجهات السيادية بالدولة” على امتحانات الثانوية العامة لأول مرة في تاريخ البلاد، من أجل منع تسريب الامتحانات والغش الذي امتد على نطاق واسع وبطرق جديدة شديدة الذكاء تعتمد على الوسائل الإلكترونية، إلا أن صفحات الغش الإلكتروني على مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في تسريب كل امتحانات الثانوية العامة التي عقدت حتى اليوم، على الرغم من تعهد الحكومة بالقضاء على الظاهرة المتواصلة منذ عدة سنوات.

وجاءت تصريحات د.رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام ورئيس امتحانات الثانوية العامة، اليوم، لتؤكد انخفاض معدلات الغش، وتأكيد حرص الوزارة على استكمال الامتحانات دون حدوث حالات غش أكثر مما وقع.

هذه التصريحات تؤكد وجود ظاهرة الغش ولا تنفيها، لكنها فقط تتحدث عن تراجع معدلات الغش، وهي تصريحات فضفاضة وعامة ولا يوجد ما يؤكدها أو يدلل على صحتها.

وتم الإعلان اليوم عن ضبط 4 حالات غش خلال أداء طلاب الثانوية العامة امتحان مادة اللغة الإنجليزية. واعتبر رئيس امتحانات الثانوية العامة ذلك إنجازًا كبيرًا، لكن الوزير يتجاهل أن ثمة آلاف الحالات من الغش التي لم يتم كشفها.

وأعلنت وزارة التعليم بحكومة الانقلاب عن غرفة عمليات مشتركة لمتابعة امتحانات الثانوية العامة هذا العام، تضم ممثلين عن الرقابة الإدارية والأمن الوطني والجيش ولجنة التعليم بمجلس النواب ووزارة الاتصالات؛ بهدف تلافي مشكلات الأعوام السابقة، وعلى رأسها تسريب الامتحانات والغش الإلكتروني والجماعي.

وعلى الرغم من تأكيد وزارة التعليم أنها أحكمت قبضتها على صفحات تسريب الامتحانات، نشرت العديد من الصفحات، من بينها صفحة “شاومينغ بيغشش ثانوية عامة” و”بالغش اتجمعنا”، الأسئلة والأجوبة بعد دقائق من بدء الامتحانات لمن يدفع المقابل المادي الذي وصل إلى 25 جنيها للسؤال الواحد، واعترفت الوزارة أن الامتحانات المسربة صحيحة.

وأعلنت وزارة الداخلية، الثلاثاء الماضي، عن تمكنها من غلق 15 صفحة متخصصة في الغش وتسريب الامتحانات والقبض على القائمين عليها. وأكدت، في بيان لها، أنها نجحت في منع تسريب الأسئلة قبل بدء الامتحان كما كان يحدث في الأعوام الماضية، أما الغش الإلكتروني وتصوير ورقة الامتحان داخل اللجنة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي فما زال مستمرا، وهي تبذل جهودا كبيرة لمواجهته.

فشل في مواجهة الغش

ويرى الخبير التربوي عادل منير، أن الغش انتشر على نطاق واسع بين عامي 2014 حتى 2016، ثم تراجع العام الماضي، لكنَّ القائمين على صفحات الغش استوعبوا نظام الامتحانات الجديد القائم على فكرة “البوكليت”، وأنهم ادوا بقوة هذا العام بعد استيعابهم للنظام الجديد. مشيرا إلى فشل الحكومة في منع التسريب رغم تدخل أجهزة أمنية ورقابية وجهات سيادية في طباعة ونقل وتوزيع أسئلة الامتحانات.

وأشار الخبير التربوي إلى أن الأشخاص الذين يستفيدون من تسريب الامتحانات لديهم قدرات فنية عالية، ويملكون وسائل حديثة للغش، مشيرا إلى أن تدخل الأجهزة الأمنية في العملية أوقف تسريب الأسئلة قبل بدء الامتحانات كما حدث العام الماضي، لكنها فشلت حتى الآن في منع الغش. ويضيف الخبير التربوي أن العلاقة طردية بين الغش والفساد، فما دام هناك فسدة يوجد غش وتسريب للامتحانات.

يخالفه في الرأي مساعد وزير التعليم الأسبق طارق نور الدين، الذي يرى أن امتحانات هذا العام كانت أفضل من العام الماضي، موضحا أن تولي الجيش مسئولية طباعة وتوزيع الأسئلة أسهم في الحد من التسريب والغش.

لكن نور الدين، رغم إشادته بتدخل المؤسسة العسكرية، إلا أنه اعترف بأن التسريب تمت مواجهته، لكن الغش الإلكتروني ما زال موجودا بقوة، وفشلت الحكومة في مواجهته بسبب اعتمادها على طرق خاطئة حتى الآن، موضحا أن البرلمان والحكومة اعتمدوا على استراتيجيات قديمة وتمت تجربتها كثيرا وأثبتت فشلها، من بينها أساليب التخويف بتعديل القانون، وتغليظ عقوبة الغش لتصبح السجن والغرامة، دون إحداث تغيير حقيقي على المنظومة التعليمية بكل عناصرها.

وينص قانون الغش على أن “حمْل الطالب للهاتف المحمول مغلقا داخل لجان الامتحانات عقوبته لا تقل عن السجن سنة ودفع غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه وإلغاء الامتحان، وفي حالة كان الهاتف مفتوحًا فإن عقوبة الطالب السجن من 2 إلى 7 سنوات، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه.

لجان أبناء البهوات بسوهاج

وشهد الأسبوع الأول من امتحانات الثانوية العامة، عودة بعض لجان الامتحانات المعروفة بـ«لجان الشغب»، بعد نجاح عدد من الطلاب بداخلها في تسريب الامتحانات إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى محاولات الغش الجماعي.

ويأتي على رأس هذه اللجان، مدرسة «عبد الحميد رضوان الثانوية» بمركز «دار السلام» بمحافظة سوهاج، التي شهدت خلال السنوات الماضية وهذا العام، تسريب الامتحانات منها عبر استخدام طلاب لهواتفهم المحمولة في تصوير الأسئلة ورفعها على صفحة «شاومينج» الشهيرة.

وتمكن الطالبان «حسام . ك» و«أحمد . د»، داخل هذه اللجنة، من تصوير امتحان مادة «الاقتصاد والإحصاء» عبر هواتفهم المحمولة وتسريبه إلى مواقع التواصل، في تكرار للظاهرة التي اتسمت بها المدرسة في الأعوام الماضية.

واستدعى ذلك تدخل الدكتور رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام، ورئيس عام امتحانات الثانوية العامة، الذي قرر إعفاء رئيس اللجنة من مهامه، لتقصيره في أداء المهام المنوطة به وعدم قدرته على ضبط العملية وإحكام السيطرة داخل اللجنة.

وتملك مدرسة «عبد الحميد رضوان الثانوية» تاريخا سيئا مع ظاهرة تسريب امتحانات الثانوية، في الأعوام الأخيرة، ففي 2016، ألقت الأجهزة الأمنية في سوهاج القبض على أحد طلابها بتهمة تسريب امتحان مادة اللغة الفرنسية إلى صفحات «شاومينج» على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، بعد مرور نصف ساعة فقط على بدء الامتحان.

وتكرر الأمر عام 2017، بعد ضبط طالب بالمدرسة يدعى «م. أ. ع»، إثر تصويره ورقة الامتحان عبر هاتفه المحمول، ورفعها على الإنترنت.

ويطلق البعض عليها لقب «مدرسة البهوات»، نظرا لما تشهده من حركة تنقلات كبيرة للطلاب، قبيل الامتحانات من كل عام، لجمع أبناء بعض المسئولين ورجال الأعمال فيها كي يحظوا بمعاملة خاصة، ويسمح لهم بالغش الجماعي بعيدا عن الأعين.

رابط دائم