في انهيار جديد لحرية الصحافة في مصر تحت حكم الانقلاب، بقيادة عبد الفتاح السيسي، شهد أمس الأحد، غلق صحيفة أخرى، بعد عجزها عن الاستمرار بسبب حجب موقعها الإلكتروني، منذ عامين مع مئات المواقع الإلكترونية الأخرى، واستحواذ صحف الانقلاب وعلى رأسها صحيفة “اليوم السابع” على خريطة الإعلانات بفضل سياسة الحجب، التي أغلقت كل المواقع والصحف المنافسة، لتدخل صاحبة الجلالة في كارثة جديدة تدمر تاريخها وتقصف أقلامها، نتيجة سياسات القمع التي يسير بها النظام الحاكم.

وعلقت الكاتبة بصحيفة “البديل” مي عزام على تويتر قائلة: “هل يشعر القارىء المصرى بما يعانيه الكاتب الآن ،هل هناك من يذكر قائمة الكتاب الذين منعوا من الكتابة فى مصر، وقد أكون آخرهم وقد لا أكون،أم أن ذاكرة القارىء لاتزيد عن ذاكرة سمكة.. سؤال يدفعنى للتساؤل عن جدوى الكتابة فى مصر.فمن تكتب لهم لايستطيعوا الدفاع عن حريتهم التى تعبر عنها بكلماتك”.

فيما أصدرت صحيفة “البديل” اعتذارا عن الصدور، وقالت على صفحتها الرسمية بموقع التغريدات القصيرة “تويتر”: “نعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا على الاستمرار في الوضع الحالي على أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالى .. البديل | 22 إبريل 2018”.

تجويع وإذلال

وانقلبت حياة الصحفيين بعد أن قررت السلطات حجب مئات المواقع، من بينها موقع “المصريون”، “مصر العربية”، “رصد”، “الجزيرة” وغيرها، فاستغنت الإدارات في هذه الصحف عن خدمات آلاف الصحفيين توفيرا للنفقات.

وتحجب السلطات، منذ نحو عام، ما يزيد على 500 موقع صحفي، بحسب تقارير لجبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات في مصر. وتتعثر المواقع المحجوبة بانصراف المعلنين المحليين عنها، “فإعلاناتهم كانت تستهدف الزوار المحليين للموقع الذين تستهدفهم أيضا إعلانات جوجل، والآن لا يصل المصريون لتلك المواقع، فلا جدوى إذن من الإعلان بها”، كما يوضح وليد عبد المنعم، وهو مسئول تسويق بموقع “الاقتصادية”، في تصريحات صحفية.

كما يقبع بالسجون أكثر من 100 صحفي ومصور، بحسب جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات، كان آخرهم رئيس تحرير موقع “مصر العربية” المحجوب، وتحل مصر الثانية بعد الصين في أعداد الصحفيين المعتقلين.

ونظرا للحالة الاقتصادية المنهارة لآلاف الصحفيين، اضطر عشرات الصحفيين للعمل سرا في مشروع “أوبر وكريم”، وكشف تقرير الجزيرة عن صحفي يسمى هاني، ولم يرد ذكر اسم أبيه لاستشعاره الحرج، بأنه يغادر منزله بحي شبرا شمال القاهرة كل صباح، ليقود سيارته التي اشتراها بالتقسيط قبل عام إلى وجهة غير محددة، بانتظار أن يستدعيه زبون عبر تطبيق أوبر لسيارات الأجرة، وقد كان معتادا من قبل أن يذهب إلى مقر موقعه الإخباري المحجوب “مصر العربية”.

لم يكن هناك من خيار آخر أمام هاني سوى العمل عبر تطبيق أوبر لتلبية متطلبات أسرته ودفع أقساط سيارته، وذلك عقب فشله في العثور على فرصة عمل بالصحافة بعد حجب ثم غلق ذلك الموقع الإخباري الذي عمل فيه لسنوات. يعتبر هاني نفسه محظوظا بامتلاكه سيارة للعمل عليها، فزملاء له- غادروا الموقع الإخباري نفسه- لا يزالون يبحثون عن عمل بأي مجال. يسمع هاني من رواد سيارته حكايات عجيبة تصلح قصصا إنسانية عظيمة، ولكن “أين يمكن نشرها والمواقع المحترمة كلها محجوبة، ولا مقابل لما يكتب؟”.

ضحايا تلك المعاناة من حجب المواقع خلفت ضحايا بالمئات بين الصحفيين، وفق مصدر بمجلس نقابة الصحفيين، ولكن لا يوجد إحصاء دقيق لهم. وتقترب التقديرات من 1500 صحفي- بعضهم غير مسجل بنقابة الصحفيين- بحسب مئات الشكاوى التي وصلت إلى النقابة من أولئك الصحفيين المشردين. وائل أحد هؤلاء الصحفيين غير النقابيين الذين جرى تسريحهم، وهو يعتبر نفسه محظوظا بين مئات من زملائه الذين لا يزالون مشردين، فهو الآن يعمل. تقول الأمثال “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، تعبيرا عن هوان الأولى بالمقارنة بالثانية، وهو مَثَلٌ ربما لا يدرك مغزاه النظام المصري، الذي يمضي بسيف الحجب والملاحقات مهددا الأعناق والأرزاق معا.

ليسكت السيسي كل الأصوات المعارضة والمحايدة وقليلة الحيلة، ويتبقى صوت واحد فقط هو صوت المسبحين بظلمه على صفحات جرائده وفضائياته التي يشرف عليها قيادات العسكر.

رابط دائم