الحكم الذي أصدرته ما تسمى بمحكمة جنايات القاهرة اليوم السبت على 739 من رافضي الانقلاب العسكري، في القضية المعروفة إعلاميا بـ”مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية”، وقضت بإعدام 75 سياسيا من قادة وعناصر جماعة الإخوان المسلمين والسجن المؤبد 25 سنة على فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد بديع، و46 أخرين، والسجن 10 سنوات على أسامة محمد مرسي نجل الرئيس محمد مرسي يحمل أبعادا سياسية ورسائل لا تخفى دلالتها من جانب النظام العسكري الشمولي.

قرار الإعدام شمل المحكوم عليهم، 44 معتقلاً صدر الحكم عليهم “حضوريا”، وأيضا 31 متهمًّا صدر عليهم الحكم “غيابيا”.

الرسالة الأولى والمغزى الأساسي من هذه الأحكام الجائرة وهو إصرار النظام بقيادة الطاغية عبدالفتاح السيسي على المضي قدما في طريق الدماء، الذي بدأه بعشرات المذابح الدموية في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها؛ فالدماء هي اللغة التي يفهمها النظام، الذي تأسس بقوة السلاح عبر انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي في 03 يوليو 2013م، وليس ثمة فارق بين القتل برصاص القناصة في كبرى المذابح التي شهدتها مصر أو بالاغتيال مباشرة بزعم تبادل إطلاق النار أو بقصف أحكام منصات القضاء المسيس.

الرسالة الثانية، هي تكريس الخوف في نفوس المواطنين عموما وكل القوى السياسي ذات التأثير بمختلف تنوعاتها واختلافاتها، وشمول قمعه واستبداده لكل التوجهات من إسلاميين وليبراليين ويساريين وحتى غير المسيسين، وفي سبيل مساعي النظام لتكريس حالة الخوف يستخدم أدوات القمع والبطش والأحكام الجائرة والإعلام الموجه وتلفيق التهم والزج بالساسة والنشطاء في السجون والمعتقلات، بخلاف سن القوانين القمعية مثل منع التظاهرات والإرهاب والكيانات الإرهابية والجرائم الإلكترونية وقمع الصحافة والإعلام. ولا يختلف قمع النظام تجاه القوى السياسية والمواطنين غير المسيسيين سوى في الدرجة لا النوع، وهو ما يتجلى في قمع الاحتجاجات التي انطلقت في أعقاب رفع أسعار تذاكر المترو أو اعتراضا على اتهام ولد طفلين بقتلهما للتغطية على جرائم تهريب الآثار في مدينة سلسيل بالدقهلية.

الرسالة الثالثة، استمرار التوجهات القمعية الاستبدادية وحماية المجرمين من عناصر النظام وأجهزته الأمنية وكذلك حماية المجرمين من القضاة الذين أصدروا عشرات الأحكام المسيسة بإعدام المئات من الساسة والنشطاء، بينما خلت قائمة الاتهام من عناصر اﻷمن والجيش، الذين أشرفوا ونفّذوا عملية فض الاعتصام، التي خلفت أكثر من ألف قتيل، من ‏المعتصمين المدنيين السلميين في أكبر مذبحة شهدها التاريخ المعاصر. بينما اقتصرت القائمة على قيادات جماعة اﻹخوان المعتقلين، فالنظام الاستبدادي القاتل لم يكتف بقتل الآلاف بل يحاكم أقاربهم وأصدقاءهم بتهمة قتل هؤلاء، فبات الضحايا جناة وبات القتلة المجرمون قضاة وحكاما.

الرسالة الرابعة، أن النظام بات لا يكترث بالانتقادات الحقوقية والدولية بشأن تزايد معدلات انتهاك حقوق الإنسان؛ فرغم إدانة منظمة العدل الدولية القرار الأولي الذي أصدرته المحكمة في 28 أغسطس الماضي واعتبرته مسيسا مفتقدا لأدني معايير العدالة وكذلك انتقاد منظمة هيومن رايتس ووتش للحكم إلا أن النظام أصر على أحكام الإعدام. وقد ساعده في ذلك تخلي حكومات الغرب عموما عن حقوق الإنسان وتقديم المصالح على القيم الإنسانيةوالديمقراطية. يؤكد ذلك أن الإدارة الأمريكية فكت تجميد 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية كان قد تم تجميدها بذريعة انتهاكات حقوق الإنسان ورغم أن حقوق الإنسان تزداد تدهورا إلا أن الإدارة الأمريكية قررت عودة المساعدات كاملة في رسالة لا تخفى دلالتها بدعم واشنطن للنظام العسكري في مصر. وعلقت صحيفة نيويورك تايمز ، على فك تجميد جزء من المعونة: أن القرار يعكس الاتجاه الجديد للسياسة الأمريكية والمتمثل في التخلي عن الدور القيادي لواشنطن في مناصرة حقوق الإنسان، و”بذلك تكون وزارة الخارجية الأمريكية قد وافقت نظام السيسي على انتهاكه حقوق الإنسان في وقت يزداد فيه عدد المعتقلين بالسجون المصرية.

الرسالة الخامسة، هي توتر النظام من حالة الصمود الأسطوري من جانب قيادات الإخوان وعناصرها في سجونه ومعتقلاته، ورغم بشاعة القمع والانتهاكات إلا أن هذا الصمود يدفع النظام إلى القلق المتزايد والإصرار على كسر هذه الروح الصامدة وإكراه الجماعة ودفعها إلى رفع راية التسليم والاعتراف بالنظام، خصوصا وأن الجماعة تتمسك بشدة بخطابها السياسي الداعي إلى عودة الرئيس المنتخب ومحاكمة المتورطين في الانقلاب وسفك الدماء والإفراج عن جميع السجناء والمعتقلين. وبحسب محللين فإن النظام يستهدف بهذه الأحكام الجائرة الحصول على ورقة ضغط على الجماعة حال إجبر على الجلوس على مائدة التفاوض في ظل التراجع الحاد في كل الملفات والقطاعات وتزايد منسوب الغضب الشعب على خلفية التدهور الاقتصادي الحاد والغلاء الفاحش والانقسام المجتمع العميق.

الرسالة السادسة، أن النظام قد أحكم قبضته على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها وهيمن على مؤسسة القضاء حتى باتت ألعوية يوظفها وفقا لتحقيق أهدافه ومصالحه السياسية، يعزز ذلك أن السيسي أطاح بكل قاض يملك مسحة من استقلال وقام بتصعيد أولئك الذين يصدرون أحكاما بناء على تحريات الأمن الوطني لا صحيح القانون ووضوح الأدلة، وصواب الاستدلال. فقد أطاح بالمستشار يحيى الدكروري لأنه مارس نزاهة القاضي في إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحريةالتي أدت إلى التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير”، وأجرى تعديلات مشبوهة على قانون السلطة القضائية يفضي تلقائيا إلى همينة شبه مطلقة للنظام على مفاصل القضاء.

خلاصة القول، أن تمادي النظام في قمعه ووحشيته تعززه حالة الشتاب التي تعاني منها جميع القوى التي تؤمن بثورة 25 يناير وشاركت في نجاحها والإطاحة بحكم الطاغية حسني مبارك الذي استمر 30 سنة. ما يوجب ضرورة الاصفاف الوطني على المبادئ والقواعد المتفق عليها وأهمها إقامة نظام مدني ديمقراطي يشمل الجميع دون إقصاء، وإعلاء قيمة المواطنة وتحقيق عدالة انتقالية ناجزة تحقق القصاص المنشود من المجرمين المتورطين في الدماء، وهندسة تصورات تحقق التوازن للعلاقات المدنية المعسكرية تفضي في النهاية إلى ضرورة عودة الجميع لثكناته والقيام بمهامه التي نص عليها الدستور بعيدا عن احتكاره للمشهد السياسي والاقتصادي وما يترتب على ذلك من أزمات لا تنتهي وانعكاسات خطيرة تهدد مستقبل البلاد.

رابط دائم