كشفت مصادر بالكنيسة الأرثوذوكسية المصرية، عن خلافات حادة داخل الكنيسة بين أنصار الراحل البابا شنودة الثالث وأنصار البابا الحالي تواضروس الثاني، وأكدت المصادر أن هذه الخلافات العميقة هي السبب الرئيس وراء مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبو مقار (القديس مقاريوس) بوادي النطرون، داخل ديره في ساعة مبكرة من صباح الأحد 29 يوليو.

ورغم محاولات بعض قادة الكنيسة الترويج لمقتل الكاهن بعملية إرهابية أو حتى أمنية من جانب النظام، مدللين على ذلك بأنه تم ضبط أحد المتسللين للدير قبل الحادث بأسبوع وتسليمه للأمن، إلا أنَّ تقريرًا نشره موقع “عربي بوست” ينقل عن أحد رهبان الدير- رفض ذكر اسمه- سيناريو آخر للجريمة، يفيد بأن من قتل الأنبا إبيفانيوس من داخل الدير، في تأكيد على الانقسام الحاد الذي يعصف بالكنيسة.

يقول الراهب: «الأنبا إبيفانيوس اتقتل يا فندم بدم بارد»، مضيفا «لم أكن في نطاق مسرح الجريمة حين تم اكتشافها، كنت في الجانب الآخر من الدير، لكن أصوات الصراخ لفتت أنظار الجميع، ذهبت عدْوا صوب مصدر الصوت لأجد الأنبا أبيفانيوس ملقى على الأرض قرب بلوك 5، حيث محل إقامته وهو غارق في دمائه».

ويدلل الراهب على رأيه، بأن راهب دير أبو مقار تمت تصفيته “بيد بعض الأقباط”، في إطار الخلافات الحادة التي تعصف بالكنيسة في شيئين: الأول أن الدير عبارة عن حصن شديد الحراسة لا يمكن لأحد أن يصل إليه بسهولة، قائلا: «مستحيل أن يكون شخص ما جاء من خارج الدير، فهذا الدير معزول تماما عن أديرة وادي النطرون، هو أشبه بالحصن».

الدليل الثاني، « الرجل استشهد الساعة 3 فجرا أثناء تحركه من قلايته (سكنه) صوب كنيسته، لا يعلم أحد أنه يقطن البلوك الخامس ولا يعلم أحد أنه يسير لمسافة 100 متر مرتجلا وحده صوب الكنيسة، ووجوده لا يثير أي شبهات، فالقاتل إما عامل أو راهب من الكنيسة».

طبيعة الانقسام بالكنيسة

يقول الراهب: «هناك انقسام عنيف جدا داخل الكنيسة، بين مَن يطلق عليهم الحرس القديم (رجال البابا السابق شنودة)، وبين التيار المجدد (تلامذة الأب متّى المسكين)، «نتحدث هنا عن صراع حقيقي لا أستبعد أن يفضي إلى ارتكاب جريمة»، على حد تعبيره.

ويلخص الراهب أسباب الصراع قائلا: إن الحرس القديم يمكن وصفهم بالمحافظين أو الراديكاليين، ومواقفهم «أكثر تزمتا وتشددا» حيال كثير من القضايا الدينية والسياسية إلى حد بعيد، خصوصا ملف المصالحة والتقارب مع الكنائس الأخرى. وتابع: «أما الفريق الآخر فهم مع المصالحات والتقارب».

وأوضح أن البابا تواضروس هو من رجال متّى المسكين، وقد تحرك الرجل فعلاً صوب الاعتراف بالكنائس الأخرى، وذلك في اللقاء التاريخي الذي جمعه ببابا الفاتيكان بالقاهرة، «الرجل كان يسعى لوقف تاريخ طويل من التكفير بين الكنائس المختلفة والمصالحة التامة، وهو ما لم يعجب رجال الحرس القديم الذين يرون ذلك هرطقة (كُفر)». وقد شنت معركة شرسة عليه حينها دفعته للتراجع قليلا، وإن كان لم يتوقف نهائيا.

ويعتبر الراهب ما جرى للأنبا رسالة مباشرة للبابا تواضروس قائلا: «لا شك لدي أن قتل الأنبا إبيفانيوس هو رسالة للبابا تواضروس شخصيا، هم يقولون له تراجع عما تفعل وإلا ستلقى أنت الآخر مصير رجالك، وها هو رأس حربتك الفكرية قُتل أمام مسكنه، فتدبّر واعلم جيدا خطورة ما تفعل».

ويضيف الراهب أن الأنبا إبيفانيوس كان يعتبر أحد رؤوس الحربة في فريق المجددين الذي يضم البابا تواضرس شخصيا، ويضم أيضا الأنبا رافائيل أسقف وسط القاهرة وسكرتير المجمع المقدس، والأنبا أنجيلوس الذي أرسله تواضروس إلى أمريكا لحمايته هو وآخرين خشي عليهم البابا فأرسلهم لأمريكا. لكن ما يميز الأنبا إبيفانيوس، الذي كان يشرف على مكتبة المخطوطات والمراجع بكل اللغات في الدير، أنه «رجل دين مجدد وعالم لغويات ومهتم بالتراجم»، على حد تعبير الراهب، الذي أضاف أنه جرى شن حملة شنعاء على الرجل اتهمته بالكفر من قبَل الحرس القديم، وحاولت اغتياله معنويا، ووصفه بالمهرطق.

وبحسب الراهب، فإن الأب متّى المسكين يعد الأب الروحي لدير “أبو مقار” في العصر الحديث، واشتهر الدير ورهبانه بخلافهم فكريا مع الكنيسة في بعض الأمور اللاهوتية، وحدث صدام بين الدير والكنيسة في عهد البابا الراحل شنودة الثالث، إلا أن البابا تواضروس اهتم به.

3 سيناريوهات

ورغم الخلافات الحادة التي ضربت الدير عقب اكتشاف الجريمة، انقسم الدير إلى فريقين: الأول يدعو إلى التستر على الأمر حماية لصورة الكنيسة أمام العالم والرأي العام، وفريق آخر معظمه من شباب الرهبان رفضوا ذلك، مطالبين بالكشف عن حقيقة الجناة وتفاصيل الجريمة.

وكشفت مصادر كنسية، عن وجود 3 سيناريوهات لجريمة مقتل رئيس الدير: الأولى أن يكون مرتكب الجريمة أحد رهبان الدير، أو أحد العمال الذين يعملون في المزارع الملحقة بالدير، أو أنه عمل إجرامي تم من خارج الدير”، مشيرًا إلى أن الشرطة والنيابة يعملان على تتبع خيوط السيناريوهات الثلاثة لكشف غموض الحادث، مع استبعاد فرضية العمل الإرهابي وراء الجريمة كون أن الأسقف ليس بالشخصية العامة الشهيرة ولا يمكن تمييزه عن باقي رهبان الدير، لافتة إلى أن الهدف من الجريمة هو “قتل رئيس الدير” وليس “السرقة”، وهو ما يعني أن الجاني ستوجه إليه تهمة “القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد”.

والأنبا إبيفانيوس من مواليد 27 يونيو 1954 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وهو حاصل على بكالوريوس الطب، والتحق بالدير في 17 فبراير 1984، قبل أن يرسم راهبا في 21 أبريل 1984، باسم الراهب أبيفانيوس المقاري، ورسم قِساً في 17 أكتوبر الأول 2002، وكان يشرف على مكتبة المخطوطات والمراجع بكل اللغات في الدير، واختير رئيسا للدير بالانتخاب في 10 مارس 2013. وأضاف أن هذا تماما مثلما حدث مع الأب متّى المسكين، الذي شن البابا شنودة ورجاله «حربا منظمة» عليه لسنوات طويلة، لكن الرجل لم يأبه بذلك واستمر في مساره، سواء صوب المصالحة أو صوب قضايا لاهوتية (عقائدية) أخرى، وهو ما لم يُرضِ الغاضبين.

رابط دائم