“الدعاة والأمن في خندق واحد”.. “ما الحرج أن يكون بيننا وبين الأمن نوع من الحب المتبادل؟ والتعاون المتبادل؟ أنا لي رؤيتي الدعوية وهو له رؤيته الأمنية”، هكذا لخّص قبل ثورة 25 يناير شيخ البلاط محمد حسان صورة علاقته بعصابة العسكر في زمن المخلوع مبارك، سواء من الجيش أو الشرطة، أو بالأخص “أمن الدولة” سيئ السمعة، أو ما يُسمى الآن “الأمن الوطني”، وكان هذا في حلقة على قناة الناس الفضائية، واليوم تطالبه السعودية التي أنفقت عليه بسخاء ومولته ومنحته الحماية، بأن يخرج ويخطب في الناس ويبكيهم ويحلل دماء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

ويبدو أن صمت “حسان” بات لا يرضي الرياض التي أوعزت إلى ذراعها حزب النور، الجناح السياسي للدعوة المدخلية في مصر، إلى شن هجوم على الرجل الذي أدى دوره في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، وشن قيادي في حزب النور ويدعى “حسين مطاوع”، هجوما عنيفا على حسان، مرجعا ذلك إلى عدم وقوفه مع السعودية في أزمتها الحالية الخاصة باختفاء خاشقجي في قنصلية بلاده بتركيا منذ 2 أكتوبر الجاري وسط اتهامات بوقوف النظام السعودي وراء اغتياله.

الداعية الأمنجي

“مطاوع” هاجم في منشور له عبر صفحته بفيس بوك رصدته (الحرية والعدالة) الداعية الأمنجي حسان وكذلك حزب النور السلفي الذي يرأسه شيخ البلاط العسكري ياسر برهامي، وتساءل في منشوره: “هل صدر موقف رسمي من حزب النور السكندري تجاه ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من تهديدات ومؤامرات؟ هل صدر موقف رسمي للداعية محمد حسان وحزبه؟ ألا تستحق السعودية منهم أن يعلنوا تعاطفهم معها؟”.

وأضاف ما نصه: “ألم يسافر حسان إبان حكم المجلس العسكري على رأس وفد إلى السعودية لتقديم الاعتذار للملك عبد الله رحمه الله حينما تعرضت السفارة السعودية لاعتداءات من بعض الهمج الرعاع أم أنه كانت له مصلحة حينها والآن انقطعت؟”.

وفي بدايته لم يذهب محمد حسان إلي السعودية ليكون طالب علم فقط، ولكنه ذهب للعمل، وبتزكية من صالح العثيمين، أصبح حسان مدرسا في جامعة محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم بكليتي الشريعة وأصول الدين، وظل لسنوات يدرس مواد الحديث ومناهج المحدثين وطرق تخريج الحديث، وهو العمل الذي كان يتقاضي عليه حسان عائدا مجزيا، استطاع من خلاله أن يعود إلي مصر وهو صاحب ثروة كبيرة.

عاد حسان إلي مصر مع بداية التسعينيات ليصبح أحد ألمع وأبرز دعاة البلاط، الذين غزوا الأسواق بشرائط كاسيت كانت تنتجها شركات بعينها، ولم يكن حسان ممن يتركون أمورهم في يد الآخرين، فقد كان شريكا في الشركة التي تنتج له شرائطه، وهي الشركة التي لم تتورع في منتصف التسعينيات أن تذهب إلي إحدي الصحف الخاصة بإعلان عن شرائط الشيوخ، بعد أن بدأت الصحيفة في مهاجمة شيوخ البلاط وفضح تجارتهم بالدين، وكان المضحك أن الجريدة أخذت الإعلان الذي حصلت علي ثمنه مسبقا، ونشرته وإلي جواره نشرت حلقة جديدة من الهجوم علي شيوخ البلاط.

وبعد أن اعتمدته المخابرات السعودية كأحد أذرعها المهمة في مصر، تغير حسان كثيرا، وأصبح يهتم بمظهره العام، أيام كان خطيبا للمنبر فقط، يتناقل مريدوه مواعظه وخطبه النارية التي كان يعرف فيها كيف يؤثر علي جمهوره، للدرجة التي ألقي فيها ذات مرة قصيدة فاروق جويدة التي واجه بها سلمان رشدي بعد أن أصدر روايته آيات شيطانية التي هاجم فيها الرسول وآل بيته، وقد استخدم الشيخ كل المؤثرات الصوتية أثناء إلقائه للقصيدة، فلم يتمالك من يسمعه نفسه أو يمنعها من البكاء.

حسان والجيش

وقد حاول حسان تقوية أواصر هذه العلاقة أكثر والارتفاع بها إلى أعلى مستوى ممكن، بثنائه على الرئيس محمد حسني مبارك وموقفه خلال العدوان الأخير على غزة الذي سبق ثورة 25 يناير. ذلك الثناء الذي أكد حسان كما يؤكد أفعاله دائمًا أنها “لوجه الله”. وأنه لا يفعل شيئًا من هذا “من أجل أي أحد من البشر”.

تجلت تلك العلاقة الوطيدة في فبراير 2011 قبيل سقوط مبارك وأثناء احتشاد الجماهير، فقد ذهب حسان إلى ميدان التحرير وخطب في جانب من الميدان في حماية قوات الجيش، وكان أول ما قاله إن هناك “مؤامرة حقيرة تريد وقيعةً بين شبابنا وبين أفراد القوات المسلحة”، ثم طلب من المحتشدين أن يظلوا في الميدان ولا يتحركوا إلى أي مكان آخر، وحذر من “المندسين”. ثم في نهاية كلمته دعا الشباب إلى عدم الإفساد في الأرض وإلى حماية الممتلكات.

كان حينها في طرف من أطراف الميدان ولم يدخل بعد، وبعد أن انتهى من خطبته، هتف بعض الشباب أكثر من مرة “عايزينك جوّا في التحرير يا شيخ”؛ فما كان من حسان إلا أن لوّح لهم بيديه وولّى ولم يعقّب، الجدير بالذكر أنه لم يتحدث تمامًا عن إسقاط حسني مبارك ولا عن أي مطلب من مطالب المعتصمين.

ثم خرج بعدها في قناة “العربية” ليؤكد نفس الكلام، واستمر صمته عن مطالب الثوار الأساسية، ولم ينس الشيخ أن ينشر الفزع الذي كان يبثه إعلاميو العسكر حينها لإخافة الناس، عن طريق تحذيره من البلطجية والدعوة إلى عدم الخوف أو الهلع، وتصريحه بأن الناس يبكون في البيوت وفزعون، ولم ينس بالطبع توجيه التحية للجيش المصري.

رسالة من عباس كامل

وفي أيام الحج التي وافقت نهايات عام 2011م وعلى الأراضي المقدسة، حذر حسان من “محاولات قائمة على قدم وساق لإحداث فتنة بين الجيش والشعب”، مستغربًا من “محاولات البعض تخوين الجيش”، الذي أٌقسم بالله أنه “لم يخُن”، وقامت في فبراير 2012، القناة الأولى الرسمية الحكومية باستضافة الشيخ محمد حسان ليعرض مبادرة قطع المعونة الأمريكية، ثم بعد أن عرضها صرّح المذيع بسرعة بتبني هذه المبادرة رسميًّا، ثم ناشد حسان رئيس الوزراء حينها كمال الجنزوري، أو من سماه حسان “والدنا الفاضل” و”أستاذنا الكريم”، لتحويل المبادرة إلى واقع عملي.

وفي نفس الشهر يخرج حسان ضيفًا على مصطفى بكري في قناة الحياة، ليقول إن العصيان المدني سيخرب ويسقط مصر، ودعا الشباب إلى الصبر، وذلك ردًّا على الدعوة التي كانت منتشرة لإسقاط المجلس العسكري، وعندما ظهرت دعوة من مؤيدي الرئيس محمد مرسي إلى رفع شعار رابعة خلال أداء فريضة الحج عام 2013 للتنديد بمذبحة رابعة، سارع محمد حسان إلى الظهور بإصدار بيان يؤكد فيه أن المواقف السياسية من شأنها أن “تعكر صفو القلوب”، و”تفسد العبادة بالجدال المذموم، والخوض في الفتن والصراعات السياسية الواقعة”، وطالب الحجاج بعدم رفع أي شعارات سياسية خلال أداء الحج.

وبعد أن أصبح نجما فضائيا بأمر من الرياض، بات يهتم بمظهره أكثر من ذي قبل ويركب السيارات الفارهة أسوة بشيوخ الحرم، ولا ينافسه في ذلك إلا الشيخ محمد حسين يعقوب، الذي يطلب من مسئولي الإضاءة في الاستوديوهات التي يصور بها أن يسلطوا الأضواء عليه أكثر حتي يبدو وجهه نورانيا، حتى جاء انقلاب 30 يونيو 2013 فخرج حسان ويعقوب وقاما بمسرحية هزلية للاختفاء نهائيا من المشهد بناء على طلب اللواء عباس كامل، مدير مكتب السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

Facebook Comments