لا يتبادر إلى أذهان المصريين كثيرًا ماذا يأكلون في بيوتهم، وما هو مصدر هذا الطعام الذي يجتهد المصري الفقير من أجل توفيره لأبنائه، فالتجربة تقول إنه لا يُسأل النائم إذا غلب عليه النوم أين ينام، ولا يُسأل الجائع إذا اشتد عليه الجوع ماذا يأكل، فالطعام الذي يأتي بعد شدة البحث عنه والحصول عليه بصعوبة وبعد جوع شديد لا يمثل محتواه أي أهمية بالنسبة للجائع، فكل ما يهمه أن يسد رمق أبنائه ويملأ بطونهم؛ نظرا للفقر الذي يعيش به.

هذا ما وضع فيه نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي المصريين، بعد أن جعل لقمة العيش أمنية صعبة التحقيق، إذ يتوجب عليك أن تئن في مكاتب التموين لاستخراج بطاقة الإعانة الشهرية والخبز، أو تعمل ليل نهار كي توفر لقمة العيش لأبنائك، حتى إذا ما توفرت بحدها الأدنى نسيت طعمها ولم يشغلك إلا أن تملأ بطنك، وأنت لا تدري أنك تملأ بطنك بالأمراض والسرطانات التي تتنافس عليها حكومات السيسي المتعاقبة، من خلال توفير هذه السرطانات في شحنات القمح المستوردة التي تمتلئ بفطر الإرجوت المسرطن، بعد أن أصبحت مصر هي المصدر العالمي لموردي القمح الفاسد، حيث تنظر الحكومات والمستوردون لصحة المصريين على أنها تتحمل أكثر من السرطان.

وفي فضيحة جديدة، أعلنت الحكومة السودانية، أمس الخميس، عن احتجاز شحنة دقيق، عبارة عن منحة من مصر، لغرض الإجراءات الفنية، تخوفا من احتوائها على نسبة عالية من فطر “الإرجوت” المسبب في أقصى حالاته لمرض السرطان.

في الوقت الذي يملأ فيه السيسي بطون المصريين بفطر الإرجوت عن طريق رغيف الخبز المدعم، بعد شراء أطنان القمح الفاسدة من دول مثل أوكرانيا وروسيا لا تجد ملاذا لقمحها سوى مصر، حتى إن سلطات الانقلاب في مصر تقبلت تهديدات روسيا في عام 2015 حينما رفضت مصر دخول شحنة القمح المسرطن، إلا أن روسيا هددت بوقف استيراد الفاكهة من مصر، فأمرت سلطات الانقلاب بسرطنة أمعاء المصريين خوفًا من انقطاع العلاقات مع روسيا.

وقالت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، في بيانها، إنها تخضع شحنة “دقيق قمح” أهدتها مصر للسودان للإجراءات الفنية، قبل اتخاذ قرار بدخولها إلى البلاد.

فيما أكد “عوض سكراب”، المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، أنه “لن يسمح بالتصرف في شحنة الدقيق، إلا بعد ظهور نتائج تحليل العينات، والتأكد من خلوها من أية ملوثات ومطابقتها للمواصفات”، وفق البيان ذاته.

وخلال الأيام الماضية، نقلت وسائل إعلام سودانية ومصرية، أن شحنة من الدقيق وصلت الخرطوم على متن شاحنات، تمثل هدية من مصر إلى السودان، لمساعدته على تجاوز الأزمة الراهنة.

ويعاني السودان من أزمات متجددة في الخبز والطحين؛ أدت إلى قيام احتجاجات شعبية مستمرة منذ ديسمبر 2018، صاحبتها أعمال عنف أسفرت عن سقوط 31 قتيلا، وفق آخر إحصاء حكومي.

شحنات قمح الإرجوت

وكشفت تقارير صحفية سابقة عن أن قرارات متتالية جاءت نتيجة ضغوط مستوردي القمح، أدت في النهاية إلى السماح بدخول أقماح ملوثة بفطر الإرجوت الخطير على الصحة العامة، الذي يصيب، وفق تقارير علمية، بأمراض الفشل الكلوي والكبدي، كما يصيب بالهلوسة أيضًا، حيث سمحت سلطات الانقلاب بدخول شحنة قمح مستوردة من روسيا كانت قد أوقفتها، بسبب شبهات حول احتوائها على كميات غير مقبولة من فطر “الإرجوت”.

وقال مسئولون، إن مصر تسمح بدخول شحنات قمح روسي رغم احتوائها على “الإرجوت”، بعدما أشارت نتائج الفحص إلى أن مستويات الفطر بها في الحدود المقبولة، وهى تصريحات مخالفة لما صدر عن الحجر الزراعي المصري الذي أكد أن هذا القمح يحتوى على الإرجوت بنسبة 0.06%، وهو ما يزيد على الحد الأقصى المسوح به البالغ 0.05% وفقًا لقواعد المناقصات الحكومية المصرية.

وقبل عام 2016 لم يكن المصريون يتناولون أقماحًا ملوثة بهذا الفطر “الإرجوت”، إلى أن اتخذ وزير الزراعة عصام فايد، قرارًا نشرته الوقائع المصرية، وهو القرار رقم 1117 لسنة 2016، بالأخذ بتقريرى منظمة الفاو وهيئة دستور الغذاء العلمى والمواصفة القياسية للقمح رقم 1601-1-2010 فى التعامل مع مرض الإرجوت فى رسائل القمح الواردة من الخارج.

وأكد قرار وزير الزراعة، فى مادته الثانية، أنه فى حالة ظهور ما يخالف النسبة المقررة عالميا بناءً على دراسات مستقبلية، يعاد النظر فورًا فى هذا القرار، واتخاذ ما يلزم، وأوضح القرار فى مادته الثالثة اتخاذ كل الإجراءات الحجرية اللازمة لضمان عدم تسرب هذا المرض من الرسائل الزراعية المنقولة والمخزنة فى الصوامع لحين تصنيعها.

ويقول الدكتور سعيد خليل، أستاذ الهندسة الوراثية بمركز البحوث الزراعية ومستشار وزير الزراعة الأسبق: إن القرار الذي أصدره في يوم 3/7/2016 وزير الزراعة عصام فايد، هو القرار الوزاري رقم 1117 لسنة 2016، وسمح بدخول شحنات القمح التي قد تم رفضها أكثر من مرة على المراكب بعد وصولها إلى الشواطئ المصرية، وبعد الفحص تم رفض الشحنات للإصابة العالية بفطر الإرجوت، وبعد ضغط رجال الأعمال لدخول الشحنات صدر القرار الوزاري السابق، لكن للأسف الشديد القرارات الوزارية والقوانين التي تم الاعتماد عليها لصدور ذلك القرار بعد الحصول عليها وقراءتها، وجدنا أن القرار الصادر مخالف لها 100%، وعلى سبيل المثال القرار الوزاري رقم 3007 لسنة 2001 والخاص بتنظيم أعمال الحجر الزراعي، الذي نشر في الوقائع المصرية في 19/5/ 2002، والذي ينص في المادة الأولى على أنه: لا يجوز إدخال النباتات والمنتجات الزراعية المصابة بإحدى الآفات غير الموجودة بجمهورية مصر العربية، ومنها الإرجوت، إذ أن القرار لا يسمح بدخول أى نسبة من فطر الإرجوت بالأقماح المستوردة.

وأكد خليل، في تصريحات صحفية، أن ما يتم هو تلاعب بصحة المصريين، موضحا أن قانون الحجر الزراعي رقم 3007 لسنة 2001 يحظر دخول أى نسبة من القمح الملوث بالإرجوت، وأن النسبة يجب أن تكون “0%”، كاشفًا عن أن ضغوط المستوردين هي التي أطاحت برئيس الحجر الزراعي الأسبق سعد موسى، وذلك عندما رفض شحنة قمح فرنسية ملوثة بفطر الإرجوت في عام 2016.

ويضيف خليل أنه في 7 سبتمبر من العام 2016، كان هناك اجتماع بمكتب رئيس الوزراء، حضره وزير الزراعة ووزير الصحة، وسأل شريف إسماعيل ما إذا كان هناك دول أخرى يمكن الاستيراد منها بخلاف روسيا، فلم يرد أحد من الوزراء رغم وجود 33 مصدرًا آخر يمكن استيراد أقماح خالية من هذا الفطر منها، الذى له خطورة بالغة على المحاصيل الزراعية المصرية، إذ يمكن أن تنقل إلى الأقماح المحلية، فضلا عن أضراره البالغة على صحة المواطن المصري، الذي يستهلك كميات كبيرة من الخبز تقدر بـ185 كيلو سنويا، بينما المعدل العالمي هو 63 كيلو فقط، مشيرًا إلى وجود 3270 بحثًا علميًا يؤكد خطورة فطر الإرجوت على صحة الإنسان.

ولفت خليل إلى أن هناك دولا خالية من فطر الإرجوت، مثل أوروجواي، عرضت تصدير القمح إلى مصر بكميات تصل إلى 3 ملايين طن، وبقيمة 175 دولارًا للطن، لكن الحكومة لم تستجب لها.

وكشف عن أن القرار رقم 2992، الصادر في 13 نوفمبر 2016، يسحب اختصاصات وزارة الزراعة في فحص شحنات القمح الواردة من الخارج، ويعطيها للهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وهى الهيئة التي تدافع في الأساس عن مصالح المستوردين، إذ إنها تابعة لوزارة التجارة والصناعة، وذلك بعد أن قام رجال الحجر الزراعي برفض عدد كبير من الشحنات الملوثة بفطر الإرجوت والقادمة من عدة دول منها روسيا وفرنسا.

ويؤكد المركز القومي للسموم بكلية الطب جامعة القاهرة، أن فطر الإرجوت له مخاطر شديدة على صحة الإنسان، ومن الناحية الصحية غير مسموح بتناول أي نسبة من هذا الفطر، سواء في القمح أو الشعير، حيث إنَّه ينتشر في هذين المحصولين، موضحا أن هذا الفطر ينتج عدة أنواع من السموم تتسبب في حدوث انقباض للأوعية الدموية تمنع وصول الدم لأطراف الجسم، مما يؤدي إلى إصابة الأطراف “الأيدي والأرجل” بغرغرينا تنتهي إلى البتر، وتزداد الخطورة هنا للمدخنين والذين يتسمون بالعصبية الشديدة وبالنسبة لمرضى القلب فله تأثير شديد على القلب، إذ يؤدي إلى إصابتهم بالذبحة الصدرية المتكررة والجلطات وقصور في الشرايين التاجية، وهذا الفطر يتسبب أيضًا في إصابة السيدات في مرحلة الإجهاض، ويصيب الإنسان بـ”الفشل الكلوي والهلوسة والغرغرينة”.

وتابع: “المرض تمَّ اكتشافه من خلال الجمال التي كانت تتغذى على الأقماح والشعير الملوث بالإرجوت، حيث تمَّت ملاحظة إصابتها بالإجهاض والغرغرينا ونقص في وصول الدم للأطراف”.

تقرير اللجنة العلمية المشكلة من النيابة في تحقيقات سابقة، كشف أيضًا عن أن أعراض التسمم تظهر واضحةً على جميع حيوانات التربية، وخاصة المواشي “الأبقار والجاموس”، والتي تكون شديدة الحساسية للتسمم الإرجوتي، والذي يظهر بأشكال مختلفة على الحيوانات.

وأشار التقرير إلى أنَّه في حالة أنَّ الحكومة سمحت باستيراد القمح المحتوي على 0.05% أجسامًا حجرية فإنَّ كيلو الدقيق سوف يحتوي على قرابة 500 مللي جرام من بقايا الأجسام الحجرية، أي 1666 ضعف النسبة الأمريكية المسموح بها في القمح “0.3%”.

وبعد رفض عدد كبير من شحنات القمح الملوثة بالإرجوت من جانب مسئولي الحجر الزراعي بوزارة الزراعة، جاء قرار رئيس الوزراء رقم 2992 الصادر في 13 نوفمبر 2016، والذي يعطي الحق للهيئة العامة للصادرات والواردات في فحص المحاصيل الاستراتيجية والسماح بدخولها البلاد من عدمه، وهى محاصيل القمح والذرة وفول الصويا.

ولفت القرار إلى أنه في حالة طلب المستورد للسلع الزراعية الاستراتيجية من الهيئة إجراء الفحص المسبق قبل الشحن، أن يتم إبرام تعاقد بين المستورد وبين أي من الشركات المسجلة في السجل المشار إليه دون أدنى مسئولية على الهيئة، على أن يتضمن العقد التزام الشركة بالفحص وفقا لشروط التعاقد، وبما لا يخل بالمواصفات القياسية المصرية أرقام (1601 لسنة 2010-3ج4 لسنة 2005- 2725 لسنة 2005) وغيرها من المواصفات والاشتراطات الخاصة بالحجر الزراعي، المعتمدة من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والمرفقة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2992 لسنة 2016، على أن يتحمل المستورد كل نفقات شركة المراجعة والتفتيش الدولية، ولا يسمح لأي من العاملين بالهيئة أو الحجر الزراعي أو وزارة الصحة أو جهة أخرى المشاركة في إجراءات الفحص في ميناء الشحن.

Facebook Comments