حين سأل أحد الشباب قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خلال منتدى شرم الشيخ، كيف يمكن التغلب على بقاء الحكام في السلطة مدى الحياة؟، رد عليه قائد الانقلاب بأن ذلك يحدث حين يموت الحاكم!، فأثار سخرية الحاضرين؛ لأن إجابته كشفت بوضوح عن أنه لن يترك السلطة إطلاقًا إلا لو مات أو قُتل، وأن فكرة أن يترك السلطة بموجب انتخابات مثلا غير واردة.

ولذلك حين أحرجته مراسلة BBC في القاهرة، خلال لقائه المراسلين الأجانب مساء أول أمس، وسألته: كيف يروج في منتدى الشباب لثقافة الاختلاف والتنوع في حين أنه لا يوجد سوى صوت واحد في الإعلام المصري؟ وكيف يمارس الإعلام دوره في ظل القوانين الأخيرة التي تحوي الكثير من المنع والتقييد، رد عليها منتقدًا عدم قدرة إعلاميي الانقلاب حتى على نقل هذا “الصوت الواحد”، ولم ينفِ وجوده!.

فجاءت إجابات السيسي لتكشف ما هو معروف من أن مصر ليس بها إلا “إعلام الصوت الواحد”، وأنه ممنوع منعا باتًا نقد هذا الصوت الواحد (قائد الانقلاب)، وإلا وُصف من يفعل هذا “بالخيانة والسعي لإسقاط البلد وتشويه الإنجازات”، ولكن المفاجأة هي أن السيسي عاب على إعلاميي الانقلاب أنهم على قدر من الغباء يجعلهم غير قادرين حتى على نقل ما يقوله بالضبط!.

“الصوت الواحد” لمنع دعم الإعلام للثورة

صفاء فيصل، مديرة مكتب بي بي سي في القاهرة، سألت السيسي سؤالين:

(الأول): عن قدرة وسائل الإعلام في مصر على أداء دورها في ظل التشريعات والقوانين التي صدرت في الآونة الأخيرة، والتي في ظاهرها تنظم عمل الإعلام، بينما هي في الحقيقة هدفها التقييد والمنع.

وقد حاول السيسي التهرب من الإجابة بالحديث عن قضايا أخرى، متهمًا الإعلام الأجنبي بأنه “يعالج القضايا بعيون غربية تناسب المجتمعات التي يبث منها، وأن الظروف التي تمر بها مصر مختلفة، ويجب عدم معالجة القضايا مثل التعليم من جانب واحد هو الانتقاد، أو جانب المعارضة”!، وأحرجته المراسلة بأن الوزارات لا ترد على أسئلتهم.

وردًا على فرض الانقلاب عشرات القوانين والتشريعات التي تقيد الإعلام، برر السيسي ذلك بأن “الإعلام لم يقم بالدور المنوط به على مدى الثلاثين عامًا الماضية!، والإعلام- الأجنبي خصوصا- أعطى انطباعًا بأن “خروج الرئيس من المشهد السياسي بعد ثورة 25 يناير (أي الثورة الشعبية) سيحل كل المشكلات في مصر، وهو ما اتضح أنه غير صحيح”، بحسب زعمه.

وهنا أوضح قائد الانقلاب أنه لا يريد أن ينتقده الإعلام، ويخشى الإعلام الحر أو السماح بأي نسبة لحرية الإعلام؛ لأن انتقاد الإعلام لمبارك سابقًا تسبب في ثورة شعبية يزعم أنها لم تحقق شيئًا (لأنه أنقلب عليها وأضاع أهدافها).

يا ريتهم حتى بينقلوا عني صح!

وكانت فضيحة الانقلاب في (السؤال الثاني) حول «إعلام الصوت الواحد»، وكيف يعقد الانقلاب منتدى لشباب العالم يفترض أن يروج لقيم الاختلاف وثقافة التعددية، بينما يوجد هناك صوت واحد هو صوت السلطة، ويقابل أي صوت مخالف بالتشكيك والتخوين.

وقد رد السيسي بإجابة أكدت سعيه بالفعل لقمع حرية الصحافة ومنع أي أصوات معارضة، وإجابة أخرى فضح فيها إعلاميي الانقلاب وغباءهم، حيث قال: “يا ريت كان فيه إعلام الصوت الواحد، على الأقل كانوا هينقلوا كلامي، ويعملوا عليه حلقات نقاش، ويقدموا الصوت المخلص والشريف والواعى!».

ثم فضح غباء إعلاميي الانقلاب قائلا: “يا ريتهم حتى بينقلوا عني صح، أنا بأقولهم أهو كلامي وبرده مش بينقلوه مزبوط”!.

وعلى طريقة الديكتاتور الذي لا يريد الشعب أن يرى سوى ما يراه هو، قال السيسي: إنه يتمنى أن ينقل عنه الإعلام المصري ما يقول بأمانه “لأنني صوت أمين وشريف وواع لأنه صوت يمثل مصر”، ما يؤكد أنه مصاب بمرض النرجسية والديكتاتورية البغيضة، حيث لا يريد أن يرى الشعب إلا ما يرى، وأنه هو فقط طبيب الفلاسفة والحكيم الذي لا حكيم غيره في مصر!.

كيف يقمع الانقلاب الإعلام الأجنبي؟

سعى السيسي عقب انقلابه العسكري إلى قمع الصحافة المصرية والسيطرة عليها وقتل الحريات أولا، وحين وجد تسريبًا لفضائح وجرائم الانقلاب عبر المراسلين الأجانب، بدأ في حملة قمع ومطاردة وتضييق عليهم دفعت الكثير منهم لترك مصر.

ويشكو صحفيون أجانب من تشديد السلطات المصرية مؤخرا قبضتها على عملهم بعدما قامت بالسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام المحلية؛ بهدف منع نشر ما يتعارض مع ما تنشره آلة الدعاية العسكرية، وقالوا إنهم يواجهون بسلسلة من المضايقات والقيود، وتهديدات بتلفيق تهم لهم.

آخر هؤلاء كانت “بيل ترو”، الصحفية البريطانية، مراسلة صحيفة “التايمز” من القاهرة، التي قالت إنه تم اعتقالها واحتجازها 7 ساعات في مركز أمني، مارس 2018، وتهديدها بمحاكمة عسكرية ما لم تغادر مصر بدون حتى أن يُسمح لها بأخذ ملابسها.

وأوضحت أن ذلك حدث بسبب قيامها بإعداد تقرير عن الشباب المصري الذي يهاجر ويغرق في البحر، وإبلاغ “مخبر” كان يجلس على مقهى كانت تحاور فيه قريب أحد الشباب الغارقين.

وتحت عنوان: “أنا أعشق مصر لكنني لا أستطيع العودة ولا أعرف لماذا طردوني”، كتبت “بيل تيرو”، السبت 24 مارس 2018، في صحيفة التايمز، تروي ما جرى، مؤكدة أنه تم إبلاغها بأنها على قائمة “الأشخاص غير المرغوب فيهم”، وإذا حاولت العودة، فسوف يتم اعتقالها في مصر، وأكدت أن “هناك حالات كثيرة لم يتم الإبلاغ عنها لمراسلين طردوا أو تم رفض دخولهم مصر، ما يجعلهم في حالة ارتباك أثناء تغطية أحوال مصر”.

وقبل “ترو” شنت هيئة الاستعلامات الحكومية حملة قمع وتهديد شرسة ضد “بي بي سي”؛ بسبب تقرير عرضته القناة البريطانية حول التعذيب في مصر والاختفاء القسري، وتناول ما تعرضت له فتاة تدعى «زبيدة» من تعذيب داخل مصر.

وقد ضغطت السلطات الأمنية علي “زبيدة”، واضطرتها للظهور مع عمرو أديب لتنفي اختفاءها قسريًا، واستغلت ذلك في مطالبة القناة البريطانية بالاعتذار، بيد أن أم “زبيدة” ظهرت تؤكد أن ابنتها في يد أجهزة الأمن ومختفية، ما أدى إلى اعتقال الأم أيضا، وتلفيق تهم قضائية لها.

مشاكل الصحفيين الأجانب في مصر كما يرونها

بدأت سلطة الانقلاب حملة التضييق على الصحفيين الأجانب عقب نشرهم تقارير (نقلا عن بيانات من حسابات في سيناء على مواقع التواصل)، تؤكد مقتل قرابة 60 – 100 جندي مصري خلال هجمات قام بها مسلحون في يوليه 2015، بينما أكدت مصر مقتل 21 فقط، وإجهاضها الهجوم.

وتبع هذا تدشين 5 مواد جديدة في قانون الإرهاب تسجن الصحفي الذي ينشر بيانات ومعلومات تخالف المعلومات التي يعلنها الجيش والحكومة، بخلاف مواد أخرى تسجنه 5 سنوات لأسباب فضفاضة.

وفي أعقاب صدور القانون، غادر بعض المراسلين الأجانب مصر بسبب التضييق على أعمالهم، منهم مراسل إسباني نصحته سفارته بالهرب قبل القبض عليه، عقب القبض على مصورين أجنبيين في موقع تفجير القنصلية الإيطالية بالقاهرة.

وأطلقت الهيئة العامة للاستعلامات (هيئة حكومية) مكتبا جديدا لمراقبة الصحافة الأجنبية يحمل عنوان «Fact Check Egypt»، أو “مكتب التحقق من المعلومات بمصر”، هدفه مراقبة التقارير الصحفية، والتأكد من طبيعة المصادر وصحة المعلومات المنشورة، بحسب ما أُعلن، بينما يرى مراقبون أن الهدف هو “الرقابة” على الصحافة الأجنبية التي تنتقد النظام الحالي بصورة كبيرة.

وانتقد صحفيون أجانب هذا المكتب، ووصفه آخرون بأنه مكتب للرقابة، وأن هدفه هو سجن الصحفيين الأجانب مثل المصريين كما حدث مع صحفيي الجزيرة الثلاثة.

وضمن سلسلة التضييق على المراسلين الأجانب، أمرت السلطات المصرية بإجراء تحقيق جنائي ضد صحيفة “نيويورك تايمز”؛ ردا على نشرها تسريبًا لمسئول استخباراتي وهو يعطي تعليماته لمحطات التلفزيون المصرية.

وفي أغسطس 2016 قالت مراسلة إذاعة “إن بي آر” الأمريكية، إنها غادرت مصر خوفًا، وكتبت المراسلة “ليلى فاضل” التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والأمريكية، في 26 أغسطس الماضي عبر حسابها على توتير، تقول “أغادر القاهرة بعد أن مكثت هنا حوالي 6 سنوات، قطعت تذكرة ذهاب بلا عودة، سأفتقدكم”.

وأجرت الإذاعة الأمريكية: مقابلة إذاعية مع “فاضل” قالت فيها إن من أسباب مغادرتها مصر مناخ الخوف الذي تشعر به، وتغير الأمور بشكل كبير عما كانت عليه عقب الربيع العربي، حيث زادت مساحة حرية التعبير آنذاك.

وأضافت: “لم تعد هنالك خطوط حمراء وهناك حكومة ودولة تبدو مصابة بقدر هائل من جنون العظمة، ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله”.

ولخصت الصحفية “كريستين شيك”، ما أسمته “مخاطر العمل كصحفي في مصر” في تقرير نشرته بدورها بموقع مجلة فورين بوليسي بعنوان “العمل مراسلا في مصر هو أخطر مهمة في مهنة الصحافة”.

التقرير يدور حول المراسل الأجنبي (كرستين شيك) الذي أصبح صديقا لأحد المتعاطفين (وليس أعضاء الجماعة) مع الإخوان، والذي ذهب إلى السجن نتيجة لقناعاته وهو يعمل مراسلا صحفيا (الصحفي عبد الله الفخراني من شبكة رصد)، ويقبع حاليا في السجن مدى الحياة.

وروى “روجر ماكشين”، رئيس مكتب مجلة الإيكونومست في القاهرة، في مقال بعنوان: “مشكلة العلاقات العامة في مصر” نشره بمجلة 1843 التابعة للصحيفة، تفاصيل عن “سوء معاملة السلطات المصرية للصحفيين الأجانب”.

وقال “ماكشين”: إن “الحكومة المصرية تريد من الصحفيين الأجانب نشر صورة إيجابية عن البلد، وحين نكتب ما نراه يصفوننا بالوقاحة”.

وأشار مدير مكتب “الإيكونوميست” إلى أنه “يتم منعنا من تغطية الأحداث ويتم وصفنا بالانحياز، وبعد ذلك يتم دعوتنا لحضور كبرى الاحتفالات والمؤتمرات والتي يتم منعنا خلالها من إعداد التقارير ثم يتم اتهامنا بالانحياز!”.

وقال مراسل الصحيفة: إن “كل الدول الاستبدادية تسعى إلى السيطرة على وسائل الإعلام، ولكن في مصر، التجربة تميل نحو اللامعقول”، مشددا على أن “الأمور في مصر تميل إلى السخف”.

وفي أغسطس الماضي 2016، نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، تحقيقا تحت عنوان “تخريب مصر”، وردت الخارجية المصرية على ما نشرته المجلة الاقتصادية الشهيرة، في بيان، على حساب وزارة الخارجية على فيس بوك، تحت عنوان «تخريب الإيكونوميست” اتهمت فيه المجلة بالعمل على “تقويض مصر”.

وأزعج مقال الصحيفة البريطانية، الانقلابيين بعد اتهامها السيسي بعدم الكفاءة في إدارة مصر، وتمنت أن يعلن (السيسي) عدم ترشحه في تمثيلية انتخابات 2018 الأخيرة، واصفه إياها بأنها “خطوة إيجابية” لو تمت، وهو ما لم يحدث.

رابط دائم