الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

مفردات الواقع المحسوس تقول إن نظام عبد الفتاح السيسي لم يعد يستشعر خطراً قادماً من أي ركن من أركان مجتمعٍ يرقد مثل جثة بلا حراك، أو نبض، بعد سلسلةٍ من الضربات ألزمت كل النمل مساكنه.

ومن ثم يصرخ سؤال مهم: لماذا يمارس شراسةً كهذه مع الكبار والصغار، واستئساداً على ما لا يمثل له تهديداً أو قلقاً، وخصوصاً أنه بدا، في ظهوره الأخير، وقد وصل إلى أعلى مستوىً من البارانويا، جعله يتحدّث بإحساس عميق بأن كل شيءٍ صار طوع أنامله، حتى أنه اقترب من أن يعلن إنه يعيش حالةً مثل التي كان عليها النبي سليمان (عليه السلام)، حين استدعى من النص القرآني”ففهمناها سليمان”؟.

يقف المنطق مندهشاً أمام هذا التوحش، استقبالاً لشهر رمضان، وتجلياته الممعنة في التنكيل والبطش، مع شخصيات مثل هشام جعفر، مثال الوداعة والرقي في الوسط الصحافي، وإسماعيل الاسكندراني، الباحث والصحافي الذي يقبع في الزنزانة منذ ثلاث سنوات، من دون تهمةٍ محددة، حتى 48 ساعة مضت، ليفاجأ الجميع بحكم قضائي، تم تخليقه بليل، بسجنه عشر سنوات، بأمر القضاء العسكري، وأخيراً اعتقال المدون وائل عباس من منزله فجراً واقتياده إلى المجهول، ناهيك عن فظاعاتٍ ترتكب بحق ذوي ضحايا مجهولين، أو أقل شهرة، لا تعرف مآسيهم طريقها إلى الإعلام، إلا في النادر جداً.

قبل هذه الموجة العاتية من التوحش، كان السيسي يصيح “ففهمناها سليمان” مكرّراً ثلاث أربع مرات “والله كله هيتحاسب”، فيما كان ينظر بخيلاء إلى”هدهد المخابرات”، وكأنه يعطي الإشارة لعفاريته المسخرة لتنفيذ رغباته الجامحة بالتحرّك لاقتناص مزيدٍ من الضحايا، في غمضة عين، وفي اللحظة التي يطلق فيها سراح نخنوخه الكبير.

هنا، أنت أمام مرحلة انتقام عنيف من التاريخ، فيها كل من مر على ميدان التحرير، وكل من جاهر بانتمائه لثورة يناير مستهدف “والله كله هيتحاسب” أطلقها السيسي، وانتقلت إلى إعلامييه، فيحتفل أحدهم بالموجة الأخيرة من البطش، وكأنه يزفّ البشرى إلى شعب السيسي المختار: سنصطادهم واحداً تلو الآخر، لا شيء يوقفنا عن غرس مخالبنا فيهم، لن تخيفنا منظمات حقوق إنسان، ولن تردعنا معايير دولية بعد اليوم.

تردد هذا الكلام غير مرة منذ العام 2014 على ألسنة مسؤولي مخابرات متقاعدين، وإعلاميين ناطقين برغبات السلطة، من خلال التلويح بملف ضخم عنوانه “القضية 250″، حيث خرج مسؤول مخابراتٍ سابق في حوار صحافي قبل أربعة أعوام، ليعلن “أن كل من اشترك أو ساعد أو دعم في هدم البلد من بداية ثورة 25 يناير 2011، اسمه وارد في هذه القضية، وسيُحاسب، ومصر هتاخد حقها منه، ومش معنى أنهم متسابين لحد دلوقتي أنهم مش هيتحاسبوا كويس أوي”.

وكان واضحاً، منذ البداية، وكما دوّنت ذلك مبكراً، إن الأرجح أن القضية برمتها، فكرة عبد الفتاح السيسي شخصيا، وتأليفه وكتابته السيناريو وإخراجه وإنتاجه.

والآن، يستأنف الكلام عن القضية، بالتزامن مع التجهيز لإطلاق النسخة السيسية من الأحزاب الفاشية والنازية، كما عرفها تاريخ القرن الماضي، حيث كل شيء مباح باسم الحفاظ على الدولة من أعدائها الأوغاد، الذين هم الداخل، وليس الخارج، كما كرّرها السيسي مراراً، وبالتالي بدأت مرحلة الاستئصال والتطهير والاقتلاع لكل من لا يردّد أناشيد الغيستابو النازي وشعارات الترانسفير الصهيوني.

وفيما تنطلق “دواعش السيسي” معبرةً عن حالة جوع وعطش لالتهام مزيدٍ من الأعداء، لا يبخل بعض من يعتبرون أنفسهم ضد الانقلاب بتقديم ألوانٍ من الدعم والإسناد، عن طريق نصب منصات الشماتة والتشفي والفرح بقطع رؤوس المختلفين معهم، وكأنهم، في لحظةٍ، يعبرون عن الامتنان للمقصلة هاتفين “افرم يا سيسي”، في مجتمع يفطر أمناً ويتغدّى ويتعشى أمناً، ولا مجال فيه لكلامٍ عن ديمقراطية وحريات وحقوق إنسان.. ثم تندلع معركة حامية الوطيس بين “شامتين في الشاتمين” و”شاتمين في الشامتين”، فيما الأوغاد يضيفون ضحايا جدداً من الطرفين على لوائح الافتراس والانتقام، لتمر فضيحة حضارية، مثل تهريب الآثار في الحقائب الدبلوماسية إلى إيطاليا، وكأنها شئ عادي.

بعد ذلك السؤال مرة أخرى: لماذا الآن، وبهذه البشاعة؟

هناك من يرى أنها مرحلة ما قبل وقوع زلزال كبير، مركزه صفقة القرن، حيث المطلوب من نظام السيسي تنازلات مروعة، تتجاوز في خطورتها ما قدّمه أنور السادات للمشروع الأمريصهيوني، وبالتالي يزيل من طريقه أي مصادر محتملة للاعتراض والتجريس.

غير أن الظن الأغلب أن هذا النظام وصل في الوحشية إلى مرحلة التلذّذ بالانتقام الباطش، والإدمان على التعذيب والإيذاء، مطمئناً إلى أنه ليس ثمّة مجتع دولي، أو منظمات أممية، يمكن أن تلجمه.

على أن الأكثر مدعاة للدهشة أن لا مقاومة هناك، الكل مستسلمٌ، منتظراً دوره في قائمة الانتقام.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم