كتب: يونس حمزاوي
في محاولةٍ لاسترضاء الإدارة الأمريكية، ممثلة في البيت الأبيض والكونجرس والبنتاجون والشركات العابرة للقارات ذات النفوذ الواسع بأمريكا، ولا سيما بعد خفض المساعدات والانتقادات الكبيرة في ملف حقوق الإنسان، قرر رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي شراء صفقة "100 جرار سكة حديد" من شركة "جنرال إلكتريك" الأمريكية بالأمر المباشر، دون الالتزام بقوانين المناقصات الاقتصادية.

وخلال اجتماعه الأسبوعي، أعلن مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب برئاسة شريف إسماعيل، عن تفويضه للهيئة القومية للسكة الحديد بالتعاقد بالأمر المباشر، دون اتّباع إجراءات المناقصات المنصوص عليها قانونا، مع شركة "جنرال إلكتريك" الأمريكية لتوريد 100 جرار سكة حديد، بمبلغ 575 مليون دولار.

الاتفاق يتضمن، بحسب ما جاء في محضر اجتماع الحكومة قبل أسبوع، شراء 100 جرار سكة حديد، وإعادة تأهيل 81 جرارًا في الخدمة، وتوريد قطع غيار طويلة الأجل لمدة 15 سنة، وتقديم دعم فني لهيئة السكة الحديد المصرية طوال الفترة المتعاقد عليها.

اكتساب شرعية مفقودة

وبحسب مراقبين، فإن السيسي يستغل موارد الدولة في إبرام الصفقات الكبيرة مع شركات كبرى ذات نفوذ؛ أملا في اكتساب شرعية مفقودة، لا سيما وأنه جاء بانقلاب عسكري، ويتعرض لانتقادات حادة في ملف حقوق الإنسان.

والسيسي يمضى على هذا الطريق منذ انقلابه، حيث منح امتيازات كبيرة لشركة "بي بي البريطانية" في مجال استخراج الغاز والبترول، كما منح امتيازات كبيرة لشركة سيمنز الألمانية في مجال الطاقة وتوليد الكهرباء، وإنشاء محطات كهرباء ضخمة بمليارات الدولارات.

كما اشترى السيسي صفقة طائرات رافال بقيمة 7 مليارات دولار؛ إرضاء للحكومة الفرنسية، ويستهدف إرضاء روسيا بعقد صفقة مشروع الضبعة النووي الذي يتكلف أكثر من 30 مليار دولار، عبارة عن قروض من الجانب الروسي الذي سيتحكم في مصر من خلال إشرافه على هذا المشروع، رغم عدم الاحتياج إليه في ظل توجهات دول العالم نحو التخلص من المحطات النووية وإنشاء محطات الطاقة الشمسية.

أسباب سياسية

وتعزو مصادر مطّلعة بحكومة الانقلاب، إسناد عمليات الشراء بالأمر المباشر للشركة الأمريكية على حساب شركة "سيمنز" الألمانية، لأسباب سياسية لا اقتصادية، حيث كشف هذه المصادر عن أن صفقة جرارات القطارات "حسمت بقرار سياسي، وليس بقرار اقتصادي"، في إطار رؤية السيسي، لتنويع رؤوس الأموال الأجنبية التي يتعاون معها في مشروعات الحكومة التي وصفتها بالكبرى؛ بهدف أن تكون للقاهرة علاقات اقتصادية بشركات كبرى ودوائر اقتصادية واستثمارية مؤثرة في كل من الدول التي يعنى السيسي بدعمها له سياسيا واقتصاديا.

العرض الألماني أكثر فائدة

ووفقا للمصادر الحكومية، فإن الحكومة تواصلت مع الشركات الكبرى في عدد من البلدان ولكنّ العرضين الألماني والأمريكي كانا الأفضل على الإطلاق، ولكنّ العرض الألماني كان أكثر جدوى وفائدة.

فالعرض الأمريكي من شركة "جنرال إلكتريك" بحسب المصادر، اهتم بإطالة فترة التعاقد إلى 15 سنة، وتقديم دعم فني وقطع غيار طويلة الأجل، بينما اهتمت الشركة الألمانية بالدور الاجتماعي للصفقة، فعرضت على القاهرة أن تبرم عقدا مع مصنع تابع لوزارة الإنتاج الحربي، بحيث تنقل إلى مصر خبراتها الهندسية والمواد الخام والأجزاء التي يتعذر إنتاجها في مصر، وأن تبدأ مشروعا مشتركا مع ذلك المصنع المصري لإنتاج جسم الجرار في مصر، بمواد خام من مصر، ما يعني توفير ملايين الدولارات في بند المواد الخام، وتوفير مئات من فرص العمل المؤقتة، وإنعاش الطلب من بعض مصانع الحديد والصلب المصرية.

وتضيف المصادر: "لم تجد الحكومة المصرية صعوبة في اكتشاف أن العرض الألماني، من الناحية الفنية والاجتماعية والاقتصادية أيضا أفضل بكثير من العرض الأمريكي، إلّا أن تزامن المشروع مع نجاح دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وكذلك تولي شركة سيمنز الألمانية نفسها تشغيل وإدارة مشروعات زيادة إنتاج الكهرباء على مستوى الجمهورية، جعل السيسي والمسئولين المختصين يفضلون منح المشروع للشركة الأمريكية لأسباب سياسية بحتة.

ويستهدف السيسي، وفقا لهذه المصادر، "ضرورة تنويع مصادر الاستثمار والشراكة الأجنبية في المشروعات الحكومية".

وبحسب المصادر ذاتها، فإن القاهرة كانت قد حسمت أمرها بمنح المناقصة بالأمر المباشر للشركة الأمريكية منذ بداية العام الحالي، لكن حدثت خلافات بين الجانبين حول موازنة المشروع؛ بسبب اختلاف سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، على خلفية قرار تعويم العملة المحلية في نوفمبر الماضي، وهو ما عطل إبرام العقود لعدة أشهر، حتى صدر قرار أمريكي، في أغسطس الماضي، بتجميد وتأجيل بعض المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر، فأسرعت الحكومة خطواتها لإبرام التعاقد، على أمل أن يساهم توقيت التعاقد في تخفيف حدة التوتر بين البلدين.

رابط دائم