الصورة التي نشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تجمع زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي برئيس جهاز المخابرات العسكرية الصهيونية “أمان” السابق عاموس يدلين، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن المقام في ألمانيا حاليًا؛ أثارت جدلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها؛ لأن الجنرال الصهيوني السابق – والذي يشغل حاليًا مدير معهد دراسات الأمن القومي – طالب في وقت سابق بإبادة غزة، وعبر عن حماسة شديدة لدعم الثورات المضادة، فضلاً عن أنه كان ضمن الطيارين الذين قصفوا المفاعل النووي العراقي 1981.

بالطبع الصورة ليست صادمة، ذلك أن علاقة زعيم الانقلاب بالكيان الصهيوني أكبر من مجرد لقاء عابر أو غير عابر مع جنرال صهيوني متطرف؛ فالسيسي اعتبر في الأوساط الإسرائيلية معجزة، ويحظى بحفاوة بالغة وتقدير كبير لدوره الفعال في القضاء على أعظم المخاطر التي هددت الكيان الصهيوني في وجوده أو على الأقل إضعافها، وأهمها أربعة تحديات:

التحدي الأول: هو المسار الديمقراطي في مصر والذي أجهضه السيسي بتدبير انقلابه المشئوم وإعادة مصر إلى الحكم العسكر الاستبدادي من جديد، وهو ما قوبل بحفاوة بالغة من جانب كبار القادة وعموم الجماهير في الكيان الصهيوني، وفي ذلك يقول الكاتب اليهودي حجي إلعاد: إسرائيل أكبر المتضررين من دمقرطة العالم العربي، لذا شيطنت الربيع العربي، وروجت مقولة “الديمقراطية كبيرة على العرب”، وحذرتُ من أن يفضي الربيع العربي إلى خريف إسلامي، فالإسرائيليون لا يريدون أن يسلّموا بأن العرب يقدرون على إدارة شئونهم بشكل ديمقراطي.

ويضيف الوزير الإسرائيلي السابق يوسي بيلين: التسليم بحدوث تحول ديمقراطي في العالم العربي غير مسئول ويضر بمصالح الغرب وإسرائيل.

ويشدد المعلق الصهيوني دان مرغليت على الغرب: ساعدوا جنرالات العرب لإحباط التحول الديمقراطي في العالم العربي.

ويضيف وزير الحرب الصهيوني الأسبق بنيامين إليعازر: احتفاظ العسكر بصلاحيات الحكم في مصر يمثل مصلحة قومية لإسرائيل.

التحدي الثاني: هو وقف المد الثوري، ويبالغ الصهاينة في تقديرهم لزعيم الانقلاب؛ لأنه أوقف المد الثوري في مصر والمنطقة، وذلك بإجهاض جميع مكتسبات ثورة 25 يناير، والتي اعتبرها علاجا خطأ لتشخيص خطأ في أحد خطاباته.

وفي دليل على مدى التقدير البالغ من الصهاينة لوقف المد الثوري مصر تقول صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية الإسرائيلية: ثورة 25 يناير كان يمكن أن تشكل كارثة اقتصادية لإسرائيل، وكان يمكن أن تعيدها إلى الفترة الفاصلة بين حرب 73 وتوقيع كامب ديفيد؛ حيث بلغت موازنة الأمن الإسرائيلية في هذه الفترة حوالي 47% من الموازنة العامة للدولة، وانخفضت الموازنة بعد كامب ديفيد لـ15.1%.

ويضيف الباحث الصهيوني عومر جندر: لو نجحت ثورة 25 يناير لفقدت إسرائيل استقلالية قرارها السياسي؛ لأنها كانت ستزداد ارتباطا بالمساعدات التي يقدمها الغرب وتحديدا أمريكا، على اعتبار أن نجاح هذه الثورة سيكون مقترنًا بزيادة النفقات الأمنية.

وهذه التصريحات تكشف إلى أي مدى يعتبر زعيم الانقلاب معجزة للكيان الصهيوني الذي أوجد في انقلاب 30 يونيو روحا جديدة منحته حياة كان على وشك أن يفقدها.

التحدي الثالث: هو خطر الإسلاميين، فالكيان الصهيوني يبدي ترحيبه الواسع تجاه ممارسات نظام العسكر في مصر، وخصوصا ما يتعلق بالحرب التي يشنها ضد الإسلاميين عموما، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين؛ باعتبارها تمثل رأس الحربة في جهاز المناعة داخل مصر والأمة العربية والإسلامية.

وللتدليل على ذلك يشدد آفي بنياهو، الناطق الأسبق بلسان الجيش الإسرائيلي، على الغرب التغاضي عن استبداد نظام السيسي ودعمه بوصفه دعامة للاستقرار.. الحرب التي يخوضها السيسي ضد الإسلاميين تجعل لإسرائيل مصلحة واضحة في استقرار حكمه.

ويضيف الباحث الإسرائيلي أهود عيلام: إسرائيل ترى في السيسي فرعونا صديقا؛ لأنه يتعامل مع الإسلاميين بدون أدنى اعتبار لمتطلبات حقوق الإنسان، لذا يتوجب مساعدته وتدعيم استقرار نظامه للحفاظ على اتفاقية السلام.

أما التحدي الرابع: الذي يتعاون السيسي فيه على نطاق واسع مع الصهاينة من أجل إضعافه فهو المقاومة الفلسطينية؛ فقد شدد الحصار على المقاومة في غزة، وهدم جميع الأنفاق التي كانت تستخدم لتهريب البضائع والسلع، وأحيانًا السلاح لتقوية فصائل المقاومة وتعزيزها في مواجهة العدوان الإسرائيلي الذي لا يتوقف.

كما شن السيسي حربا على سيناء، وهجر أهالي رفح المصرية تهجيرا قسريا، وأخلى منطقة الحدود مع غزة، وشن العملية الشاملة من أجل أن تكون ستارا يتمكن من خلاله الصهاينة الذين سمح لهم بالعربدة واستباحة سيناء بدعوى الحرب على تنظيم ولاية سيناء.

لكن الهدف الأساسي هو ملاحقة شبكات تهريب السلاح لغزة – بحسب موقع “وللا” الإسرائيلي المقرب من جهاز المخابرات الصهيوني – وذلك تمهيدا لشن حرب يريدها الكيان الصهيوني حاسمة ضد المقاومة في غزة إذا لم تقبل بصفقة القرن؛ حتى يتم إجبارها على الانصياع بدعم واسع من نظام العسكر بقيادة السيسي في مصر، وتمويل خليجي من السعودية والإمارات والبحرين، وهم جميعا أعضاء تحالف الثورات المضادة في المنطقة.

رابط دائم