بدأت معالم “الصفعة” الأثيوبية لنظام السيسي تتضح بعدما فرط في حقوق مصر المائية بتنازله عن اتفاقيات 1929 و1959 التاريخية التي تضمن حقوق مصر المائية (55.5 مليار متر مكعب سنويا)، وقبل باتفاق سد النهضة الذي لا يعترف بحصة مصر، وتماطل أثيوبيا في الالتزام بعدم تشغيله قبل وعدها للقاهرة بعدم تعطيشها.

معالم الصفعة ظهرت (أولاً) في تجاهل الأثيوبيين مطالب مصر في اجتماعات الخرطوم 6 أبريل بضمان حصتها المائية السنوية، وتأكيدها أنها لا تعترف باتفاقيات 1929 ولا 1959، ثم ظهرت بقوة (ثانيًا) في تجاهل الرد على دعوة نظام السيسي لها لحضور لقاء ثان يوم الجمعة الماضية لحل الخلافات.

ووجه السيسي الدعوة لعقد اجتماع بالقاهرة 20 أبريل الجاري لوزراء الخارجية والري ورؤساء المخابرات في إثيوبيا والسودان لاستكمال المباحثات الخاصة بسد النهضة، بعدما فشل اللقاء الأول في الخرطوم أبريل الجاري، ولكن الدعوة قوبلت بالتجاهل.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، إن “سبب فشل مفاوضات الخرطوم هو طرح مصر لاتفاقية 1959 في المفاوضات، ما أدى إلى عدم التوصل إلى توافق”، لأن “إثيوبيا تعتبر أن هذه الاتفاقية لا تعنيها، ولا يمكن أن تتفاوض حولها، لأنها اتفاقيات لم نكن طرفا فيها”.

وتمنح هذه الاتفاقية، الموقعة بين السودان ومصر، القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنويا من مياه نهر النيل، بينما تحصل الخرطوم على 18.5 مليار متر مكعب، وترفض أثيوبيا الاعتراف بها بدعوى أنها تمت بين مصر والاحتلال البريطاني في ذلك الحين.

والغريب أن السودان طرح في مبادرته لحل الخلافات ( نوفمبر 2017 ) 3 حلول لحل المشكلة أحداها يتعلق بـ “اعتماد اتفاقية 1959 كخط الأساس، لتحديد آثار السد على دولتي المصب السودان ومصر”، ووافقت أثيوبيا على المبادرة رغم أنها تقول أنها ليست طرفاً في الاتفاقية، ولم تتحفظ على ذلك، بينما جاء التحفظ من الجانب المصري، وهذه المرة عادت مصر لطرح نفس الأمر الذي رفضته وكان يحافظ على حقوقها فرفضته أثيوبيا في ظل استمرار الضعف في الموقف المصري.

وبدلا من رد خارجية الانقلاب على هذه الصفعات الأثيوبية بإعلان الحرب والتفكير جديا في مسارات حربية أو التهديد بها، ترددت أنباء عن لجوء السيسي للدولة الصهيونية كصديق يستعين به لعلاقتها مع أثيوبيا، كي تحاول إقناع الأثيوبيين بضمان حصة مصر المائية، والحديث عن “مسارات قانونية” تستغرق سنوات بالشكوى لمجلس الأمن بينما ستبدأ أثيوبيا خلال أسابيع ملء السد والتشغيل التجريبي.

الاستعانة بالصديق الصهيوني

ورغم تهديد سامح شكري الضمني إن “مصر لن يفرض عليها وضع قائم أو فرض إرادة طرف على آخر”، وحديث عن “الدفاع عن مصالح الشعب المصري في مياه النيل ومستقبلها بوسائل عديدة لديها”، بدأ عدد من السياسيين والعسكريين السابقين الموالين للانقلاب في التمهيد لفكرة الاستعانة بالدولة الصهيونية كدول صديقة للضغط على إثيوبيا لقبول الاقتراحات المصرية الخاصة بسد النهضة.

من هؤلاء “خالد رفعت”، رئيس مركز طيبة للدارسات السياسية، وهو مركز بحثي على صلة بالمخابرات المصرية، الذي زعم على صفحته على “فيسبوك” أن الحل الوحيد لأزمة سد النهضة “هو وساطة إسرائيل، لأن مصر لن تستطيع القيام بعملية عسكرية أو عمل مخابراتي ضد إثيوبيا التي وقعت اتفاقيات دفاع مشترك مع إسرائيل وتركيا والسودان”.

وأضاف رفعت “الحل هو أن ندرك أن مفاتيح سد النهضة ليست فى أديس أبابا بل فى تل أبيب، وبالطبع لن نستطيع الحرب معهم، داعيا لاستخدام “إسرائيل” كورقة ضغط !

وسبق لتوفيق عكاشة طرح فكرة الصديق الإسرائيلي لحل مشكلة سد النهضة، بعد لقائه بالسفير الإسرائيلي في القاهرة منتصف 2016، الذي قال إنه وعده بالتدخل.

وترددت أنباء أخرى عن الاستعانة بالولايات المتحدة للضغط على أثيوبيا رغم تواطؤ مصالح إسرائيل وأمريكا وأثيوبيا ضد مصر والرغبة في خنقها عبر مياه النيل وهي خطة استراتيجية لم ينجحوا في تنفيذها إلا على يد السيسي الذي تنازل لهم عن حقوق مصر التاريخية وأفقد البلاد أي أوراق ضغط ضد أثيوبيا.

خيارات مصر ضعيفة .. فهل تلجأ للحل العسكري؟

بعدما أفقد نظام السيسي مصر أوراقها الهامة في التفاوض بعد تنازله المبكر عن حقوق مصر المائية ، لم يعد أمام مصر لضمان حقوقها المائية سوى خيارين :

(الأول): اللجوء إلى القانون الدولي ودبلوماسية الحرب الباردة، ويبدو أنها تكتيكات جديدة سيلجأ إليها السيسي بعد تجميد المفاوضات الفنية مع إثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة الإثيوبي.

هذه الإجراءات المصرية تشمل تحركا قانونيا خارجيا، وتصعيدا دبلوماسيا دوليا وعربيا، مع استبعاد الحل العسكري المباشر في الوقت الراهن، ولكن هذه الأدوات القانونية تستغرق وقتا طويلا ، وأثيوبيا تكاد تنتهي من بناء السد (انتهي 70% منه)، وتستعد الشهر المقبل للتشغيل التجريبي الذي يعني حجز جزء من المياه، ثم حجز ما لا يقل عن 15 مليار متر مكعب سنويا عن مصر لمدة 5 سنوات متتالية ما سيتسبب في حالة جفاف وتملح التربة وتوقف بعض الزراعات.

وبدلا من التحرك لمواجهة أثيوبيا تحرك السيسي لمواجهة الشعب المصري، فمنع بقانون زراعة الأرز في مصر هذا العام وأعوام تالية تحسبا لحجز أثيوبيا حوالي 20% من حصة مصر المائية سنويا، وجرت عمليات نزع لشتلات الرز وتغريم فلاحين أموال وحبسهم 3 سنوات.

كما أوعز للجيش ببناء عدة محطات للمياه لتحلية مياه البحر لن تستطيع توفير سوى أقل من مليار متر مكعب سنويا (بينما سيتم حجب 15 مليار سنويا) ورفع أسعار المياه لتوفير تكلفة هذه المحطات.

لماذا لا يستخدم الطائرات الفرنسية ؟

رغم الحديث عن أن المياه مسألة حياة أو موت يبدو تحرك نظام السيسي باردا وفقيرا في طرحه خيارات قوية في مواجهة الجانب الأثيوبي ؛ ما شجعهم على تحدي مصر، بعدما أقلقهم تصريحات خبراء ناقشوا مع الرئيس مرسي علنا خيارات الحرب ضدهم قبل 5 سنوات.

وانتقد كثيرون صفقات طائرات الرافال وحاملات الطائرات الميسترال من فرنسا لغلو ثمنها، واستغربوا عدم استخدام أو التهديد باستخدام هذه الطائرات لضرب سد النهضة حال عدم الوصول لتسوية واستبعاد النظام للخيار العسكري في إثيوبيا.

وتشير مصادر عسكرية لأن جميع الطائرات المصرية الموجودة حاليا، أقصى مدى يمكن أن تطيره 2400 كيلومتر، ولكن طائرات “الرافال” الفرنسية يمكنها أن تطير مسافة أكثر من 3700 كيلومتر، ولكن هناك مشكلة ظهرت فيما يخص تسليح هذه الطائرات وهو رفض أمريكا إمداد مصر بالصواريخ الفرنسية اللازمة لها لأن بها قطع غيار أمريكية.

وأقرب نقطة بين مصر وأثيوبيا عند سد أسوان مساحتها تقريبا 1357 كيلومتر، إذا ما سلكت الطائرة طريقا فوق الأجواء السودانية، أما إذا سلكت طريق البحر الأحمر ستزيد تلك المسافة إلى 1560 كيلومتر، وهو ما يعني قدرة الطائرات الفرنسية على الذهاب لضرب السد والعودة حيث ستقطع 3120 كيلو متر يمكن للرافال قطعها ذهابا وإيابا.

ونفس الأمر بالنسبة لحاملات الطائرات الميسترال، فهي يمكن أن تسير في المياه الدولية للبحر الأحمر، وتحمل طائرات هيلوكوبتر تقوم بعمليات إنزال سريعة قرب الأراضي الإثيوبية، وتعود دون أن تشكل إحراجا لأي دول صديقة أو جارة لا ترغب في عداء صريح ومباشر مع إثيوبيا.

والأهم أن قدرات إثيوبيا الدفاعية على التعامل مع هجوم عسكري مصري على أراضيها تبدو ضعيفة كما أنه ليس لديها القدرة على ضرب السد العالي كما هددت من قبل عام 2013 حين هدد السياسيون الذين حضروا لقاء الرئيس مرسي بذلك.

وحول امتلاك مصر قدرات لضرب سد النهضة، يقول حساب “أخبار الجيش المصري” Egypt’s Military News أن مصر كان لديها قاذفات استراتيجية بعيدة المدي من نوع توبوليف-16 وهي قاذفة قنابل نفاثة ثنائية المحرك كانت تستخدم لمدة 50 عام في الاتحاد السوفيتي، والمدى الأقصى للقاذفة هو 4800 كم ولكنها خرجت من الخدمة أواخر التسعينات.

ويضيف أن هذا لا يؤثر على قدرات القوات الجوية المصرية على أي عمل عسكري مستقبلي بعيد المدى مثل سد النهضة ، الإجابة لأن المقاتلات الرافال التي تعاقدت عليها مصر مداها يصل إلى 3700 كم بدون خزانات وقود إضافية.

ويؤكد أيضا أن الطائرات قادرة على التزود بالوقود في الجو نتيجة الطلب المصري للجانب الفرنسي بإضافة تقنية الإرضاع الجوي من قبل المقاتلات، أي يمكن تزويد مقاتلة رافال عن طريق مقاتلة رافال أخرى .

لذلك يؤكد الخبير العسكري العميد صفوت الزيات أن “مصر بلا شك قادرة على توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة ويجب أن يعلن ذلك للعالم أننا لدينا القدرة على هذا”.

وعن القدرة على تدمير الكتل الخرسانية التي يقوم عليها السد قال الزيات “إن الضربات العسكرية الحديثة لا تهتم بالتدمير الكامل للهدف بل يمكن استهداف أماكن معينة تجعله عديم الجدوى”

وينتقد خبراء التشكيك في الخيار العسكري مشيرا لأن الأمر نفسه تكرر في حرب أكتوبر وشككوا في تدمير خط بارليف وعبوره ولكن جيش أكتوبر عبره، بينما السيسي وظف الجيش في قمع شعبه والبيزنس ولم يشارك غالبية الجنود والقادة الحاليين في معركة حربية حقيقية.

وفي تصريحات سابقة نقلتها صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، قال وزير الدفاع الإثيوبي : “كل ما تتحدث به مصر عن إمكانية شن هجوم عسكري علينا، هراء، فنحن والجميع يعلمون أنهم لا يمتلكون طائرات يمكنها أن توجه ضربات مباشرة إلينا”، وهوما وصفته الصحيفة الأمريكية، سببا جوهريا، لتعنت جانب إثيوبيا في أي محادثات.

ولكن ما قاله الخبراء عن الرافال يؤكد تغير المعادلة العسكرية حال نية السيسي على القيام بذلك، برغم الشكوك حول تسليح هذه الطائرات وإنفاق مصر 6 مليارات دولار عليها بدون فائدة حقيقية، والشكوك حول نية السيسي إغضاب داعميه في إسرائيل وأمريكا لو فعل هذا، وتفضيله خيار الشرب من البحر ومنع زراعة الأرز.

رابط دائم