لا يمارى أحد فى أن الشباب هم عماد الأمم، ووقود الحضارات، وأهل القوة والفتوة، حماة الأوطان والأهل، والأموال والأعراض. وما ارتقت أمة إلا بشبابها، وما ضاعت أمة إلا بعد ما غلب شيوخها شبابها فقادوها -من ثم- إلى الضعف والزوال.

ولقد أثنى الكتاب والسنة على تلك الفئة العمرية؛ لما تحمله من قلب حى مملوء بالإيمان لم تلوثه بعدُ عادات وتقاليد الآباء، ومصالح وأهواء القبائل والعائلات، مثل أهل الكهف؛ تلك الثلة المؤمنة التى هاجرت لأجل الحق، واعتزلت مجتمع الآباء لما فيه من جهالة وضلالات، ثائرة على تلك الآثار الموروثة التى ما أنزل الله بها من سلطان. والمثل فى السنة بأبى بكر، وعمر وابنه عبد الله، وسعد، وأسامة وغيرهم، فلم يتعد أولهم -أبو بكر- الثامنة والثلاثين عندما أسلم، وبلغ عمر السادسة والعشرين، وقد غيروا الدنيا؛ فأعادوا تقسيمها، وحددوا حدودها، وأقاموا حضارة هى أعظم الحضارات، وأسسوا أمة هى أعظم الأمم.

ولن ننسى ما جرى على أيدى الشباب فى ثورة 25 يناير، وما أحدثوه من تغيير، وما قادوا من مواجهات لا يستطيعها غيرهم. صحيح كانت هناك ثورة مضادة وأياد باطشة ومؤامرات محلية وعالمية؛ لكن يبقى لهم فضل السبق والثبات فى مواجهة أعتى الديكتاتوريات؛ فلا يزالون يناوشونها ويستنزفونها حتى يأتى الله بأمره، ولا أظن الباطل سيصمد أمامهم طويلًا، بل سيدمغونه قريبًا فإذا هو زاهق بحول الله وقدرته..

وشباب مصر يواجهون الآن أفظع محنة، وأسوأ ملحمة؛ ففى ظل الأجواء السياسية الفاسدة التى تشهدها البلاد، وفى ظل أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية المتردية -يجد الشباب أنفسهم ضائعين، يائسين فلا مجال للمشاركة فى التغيير واستثمار طاقاتهم فى أعمال حضارية تليق بهم وبأمتهم، والأبواب مغلقة أمامهم أيضًا فى استغلال تلك الطاقات فى مشروعات إنتاجية أو خدمية تنهض بوطنهم.

من ثم ينكفئ الشباب على نفسه، يعانى البطالة والعوز، والعجز والكسل ليس أمامه سوى طريقين اثنين: إما العزلة وفيها الكآبة وتعاطى المسكرات، ومن بعدهما الجريمة والانحراف؛ أو التطرف والعنف. وفى كلا الحالين هو ضحية أنظمة حكم تواطأت على أن يبلغ هاتين الحالتين، بل ربما تعمدت تلك الأنظمة ذلك فهيأت له سبل اليأس والإحباط، ثم فى مرحلة أخرى تنشر المخدرات لتغييبه؛ لضمان إبعاده من معارضتها، أما من تطرف من الشباب فتلك بغيتهم منه؛ ليكون فزاعة لئلا يقبل أقرانه على الدين فيطلب حقه ويسعى للإصلاح فيفسد عليهم عيشهم، ويمنع عنهم ما يأتيهم بالنهب والفساد والسرقات.

وقد كنت أظن أن نسبة الشباب المنحرف من الحالتين اللتين ذكرتهما قليلة، لكنى فوجئت بأنها كبيرة ومخيفة، وقد صارت المقاهى أوكارًا لاستقبال الشباب ثم إفسادهم فسادًا لا صلاح بعده، وإن هى إلا سنوات معدودات -إن لم تتداركنا رحمه الله- حتى نجد قطعانًا من المدمنين والمنحرفين تسطو علينا فى وضح النهار؛ راغبة فى تلبية مطالبها لشراء الكيف. وفى المقابل ربما وجدنا من يقتلون الناس باسم الدين -والدين منهم براء- لما يعانونه من اضطهاد سلطة جعلت حربها ضد الدين وضد الشباب الملتزم به أكبر همها ومبلغ علمها..

وتلك دعوة عامة، ورجاء لكل حر مخلص حريص على هذا البلد؛ أن يقترح المقترح العملى أو يطرح التصور المناسب للخروج بالشباب من هذا المأزق الكبير. كيف ننقذ شبابنا الذى دمره العسكر من المخدرات والإدمان؟ ومن الجريمة والانحراف؟ ومن التطرف والإرهاب؟! كيف نعيده إلى رشده؟ وما البدائل أمام البطالة القاتلة والفقر المدقع والعجز المقعد، وسلب الإرادة؟

قد تكون تلك الدعوة صعبة التنفيذ، لكنها لن تكون مستحيلة على من يسر الله له. ولعلنا -بوضع أيدينا على الداء -نصل بعون الله إلى العلاج، ورحمة الله وسعت كل شىء، والخير معد؛ فربما بصلاح فرد واحد وإخلاصه ينصلح حال أمة بأسرها. والله الموفق والمستعان.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم