بعد مرور نحو خمسة وأربعين عاماً على حرب أكتوبر 1973، خرج قائد الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، معطياً أوامره لأذرعه الإعلامية بعدم الإساءة لـ”كيان العدو الصهيوني”، بل وتجنب “السفيه” في كلمة له السبت الماضي، موجهة إلى الشعب المصري الذي استباح كرامته وإرادته في 30 يونيو 2013، بمناسبة الذكرى 45 لحرب أكتوبر، ذكر كلمة (إسرائيل)، أو عدو، أو حتى احتلال سيناء!

45 عامًا مضت على حرب أكتوبر المجيدة شطبها السفيه السيسي وهو ينام في فراش تل أبيب، تلك الحرب التي أعادت رسم الخريطة السياسية والجغرافية لمنطقة الشرق الأوسط بصورة حطمت الكثير من الأساطير الوهمية التي صدرها الصهاينة عن قوتهم التي لا تقهر وعتادهم الذي لا ينهزم، وأعادت الكرامة العربية التي أُهدرت على أقدام جيش الاحتلال فوق تراب سيناء والسويس وصولاً إلى القاهرة.

أربعة عقود ونصف على تلك المعركة العسكرية التي كان النصر فيها حليف المصريين والعرب، قطعت فيها تل أبيب وعسكر كامب ديفيد أشواطًا كبيرة من التأرجح بين التقارب والتباعد، شهدت خلالها موجات متلاطمة من المد والجذر على شاطئ التطبيع الذي تهرول له تل أبيب بهدف خلق أمر واقع في المنطقة، توج ذلك بصعود العميل السيسي إلى سدة الحكم على دماء المصريين وصناديق أصواتهم.

نكاح محرم

وبات السؤال في ظل علاقة السفيه السيسي بالعدو الصهيوني الذي تشبه علاقة الزوجة بزوجها هل ما زال المصريون ينظرون إلى “إسرائيل” على أنها الدولة العدو؟ سؤال بات يطرح نفسه خلال السنوات الأخيرة على وجه الخصوص في ظل القفزات السريعة التي يقفزها عسكر كامب ديفيد لإحداث التقارب مع الجانب الصهيوني، لتتحول العلاقات بين الجانبين من تطبيع “الضرورة” كما كانت تُوصف أيام السادات والمخلوع مبارك، إلى شيء أكبر من ذلك؛ يُمكن وصفه بالنكاح المحرم بين الطرفين.

ليس معنى أن السفيه السيسي يبتذل معنى الانتصار في معركة أكتوبر 1973، ويحوله إلى زفّة رخيصةٍ للتزلف إلى العدو، أن تهتز ثقة المواطن المصري في نفسه، وفي تاريخه ومنجزه الكبير حين عبر من الهزيمة إلى النصر، وليس معنى أن الإنجاز الكبير للشعب المصري، وجيشه، تحول إلى انكسار على موائد السياسة، وجرى توظيفه لخدمة مشروع الانبطاح والتبعية لمن أراقوا الدم ولوّثوا الأرض، أن نشعل النار في تاريخنا، ونهين أنفسنا، ونلقي انتصارنا من النافذة، أو نثير الغبار حول ما تم، يقول الكاتب والمحلل السياسي وائل قنديل.

ويضيف قنديل:” لا يهم أن مصر محكومةٌ الآن بمن لا يعرفهم انتصار أكتوبر، ولا يعرفونه، ولا يزعزع اليقين بالإنجاز الذي تحقّق أن السياسة باعته في أول فاترينة عرض، أو أن السياسيين ضاربوا به في بورصة التسوية المذلّة، فالحاصل أن مصر حاربت بصدقٍ وببسالةٍ وبإيمانٍ بقدسية التراب وأحقية رد الإهانة”.

وتابع :”لا يهم إن كان الذين يحكمون الآن يبيعون ويفرّطون في الأرض التي تشرّبت بالدماء الطاهرة، ويسجنون المحاربين القدماء، لأنهم يدافعون عن التراب الوطني، ويصنّفون الذين يرفضون التنازل خونة وعملاء”.

الكرامة الضائعة

لا يعرف المصريون طعماً للاحتفال بأكتوبر منذ انقلاب 30 يونيو 2013، رغم استخدام سلطات الانقلاب سياسة الإبهار في فضائياتها وعروض أشعة الليزر اللامعة، واستغلت الإعلام لخدمة وتقوية هذا النصر العسكري، وإذا كان من يروج لنظرية المؤامرة في إسرائيل، بقولهم: إن الدول العربية قررت إعادة بناء الكرامة العربية، التي أُصيبت في حرب الأيام الستة على أيدي إسرائيل، فإن الإجراءات التي أفضت إلى اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وبحسب تلك الاحتفالات، أعادت حقا الدول العربية «كرامتها الضائعة»!

ومنذ أكتوبر 1973، يحاول العسكر حفظ تلك الكرامة عبر بث الأفلام والأعمال التلفزيونية التي تنقل المشاهدين إلى أحداث تلك الحرب، خلال صور القتال على مواقع القناة وتحليلات معمقة لجنرالات مصريين شاركوا في المعارك، وقصص النجاح المشحونة بالخيال عن ذكاء الاستخبارات المصرية التي نجحت في تضليل «العدو الإسرائيلي».

ولم يكلف هؤلاء المتحدثون أنفسهم، ولو من أجل الأمانة التاريخية، البحث في حقيقة أنه بعد انتهاء الهجوم المباغت الذي نفذه جيشا مصر وسوريا على إسرائيل بقوات متفوقة، وجدت هاتان الدولتان نفسيهما في معركة انسحابية عند مشارف دمشق وعلى بعد 101 كم عن القاهرة.

أجواء كئيبة

لقد استُغلت إنجازات حرب أكتوبر منذ ذلك الحين لتصبح غراء لاصقا ودواء لتسكين الجماهير في كل من مصر وسوريا، للتغطية على الفقر والتخلف المتزايد وفشل حكم العسكر في محاولتهما تقدم شعبيهما نحو النمو، وتحمل الاحتفالات هذا العام شعورا بأن شيئا لم يتحقق على أرض الواقع، إلا استمرار استنزاف المصريين والسوريين.

في سوريا تجري مذبحة على يد السفاح بشار الأسد ابن المنتصر في أكتوبر، حافظ الأسد، والشعب الباحث عن الكرامة والعدالة، بينما يحتفل العسكر في مصر وسط أجواء كئيبة، ووسط ذروة معركة محتدمة بين جنرالات الانقلاب والثورة التي تتصدرها جماعة الإخوان المسلمين.

السفيه السيسي، ادعى في خطبة سابقة بمناسبة احتفالات أكتوبر، بأن مصر أُنقذت في آخر لحظة من قبضة الإخوان المسلمين الخانقة بعد نيتهم بإنشاء نظام إسلامي استبدادي، وشبّه السفيه الجيش والشعب الذي يؤيده بـ «هرم راسخ»، إلا أنه في الجانب الآخر يصم السفيه آذانه عما تتعرض له عصابته من انتقاد عالمي بسبب حالات القتل والإعدام والاختفاء القسري واعتقال الرافضين للانقلاب، الذين بلغ تعدادهم في سجون العسكر إلى أكثر من 100 ألف مصري، وتشهد القومية التي أسسها الفاشي أبو الانقلاب جمال عبد الناصر انقساما كبيرا خاصة بعدما دعمت دول عربية انقلاب السفيه السيسي وأخرى دعمت ثورة الشعب، ليكون ذلك مؤشرا على أن إسرائيل انتصرت في أكتوبر 2013.

رابط دائم