في 21 يونيو 2014، أصدرت محكمة جنايات المنيا فيما عرف بقضية “أحداث العدوة” بإعدام 183 شخصًا بينهم فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، وكان من بين المحكومين اثنان من المواطنين المسيحيين، منهم المواطن بباوي مكرم نجيب مرقص، كما كان بينهم كفيف لا يرى، وبينهم طفل وآخران من الموتى الذين تقدم ذووهما بوثائق وفاتهم للمحكمة.

الحكم وقتها أصاب العالم كله بدهشة في ظل حالة الإسهال التي أصابت قضاء السلطة بإصدار أحكام الإعدام الجماعية التي شوهت صورة القضاء أكثر مما هي مشوهة.

وعندما عرض الحكم على محكمة النقض أبطلته وقررت إعادة المحاكمة من جديد، وأكدت أن المحكمة أهدرت حقوق المتهمين في وجود محامين للدفاع عنهم اكتفت بمذكرات قدمها بعضهم كما أثبتت بعض المخالفات من نوعية ما سبقت الإشارة إليه، كالحكم بالإعدام على طفل وهو ما يحظره القانون المصري أصلاً.

وفي الأحد 29 يوليو 2018 قررت محكمة جنايات المنيا، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطره، نظر قضية “العدوة” نفسها، بنفس الوقائع، ونفس المتهمين، ونفس شهادات الشهود، قررت إحالة متهم واحد فقط اسمه مبروك سعد، لمفتي الديار السيسية، بما يعني الحكم بإعدامه، وبطلان حكم الإعدام بحق فضيلة المرشد العام و181 بريئا آخرين.

سبق للمحكمة أن قضت بإعدامهم رأت المحكمة أنهم لا يستحقون الإعدام، وما بين الحكم بإعدام شخص واحد فقط والحكم بإعدام 183 شخصًا في القضية نفسها، مساحة واسعة ومخيفة في تباين التقديرات للقاضي، تجعل التساؤل مطروحًا حول منطقية أن يكون الاجتهاد في “العدالة” يمكن أن يسمح بهذا الاختلاف الرهيب بحسب الكاتب جمال سلطان.

ومع صدور عشرات الآحكام المسيسة على هذا النحو والتي قضت بإعدام أكثر من ألف متهم لم يذكر أن دار الإفتاء السيسية اعترضت على حكم واحد رغم بطلان جميع أحكام الإعدام التي صدرت في سنة 2014 لافتقادها لأدنى معايير العدالة.

وبحسب محللين وخبراء يعد تصديق المفتي على هذه الأحكام الجائرة رغم أن رأيه استشاري وغير ملزم تدميرا وتشويها لمؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة الدينية التي يوظفها النظام العسكري لتحقيق مطامعه وأغراضه لتكريس حكمه الشمولي.

فهذه النوعية من الأحكام تطرح بعدًا دينيًا وأخلاقيًا آخر؛ لأن تلك الأحكام لا تصدر إلا بعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية، وبالتالي فلنا أن نتصور موافقة المفتي على قتل الآلاف واستباحة دمائهم لولا أحكام النقض ببطلانها، الأمر الذي دفع البعض حتى من المؤيدين للنظام إلى ضرورة إعادة النظر في آلية دور المفتي في أحكام الإعدام، خاصة أن محكمة النقض لا تتعرض لرأي المفتي، ولكنها تتعرض لإجراءات المحكمة نفسها، لكن في كل الأحوال، فإن جرأة مفتي البلاد على الموافقة على شنق مائة وثمانين نفس بريئة يصبح محلاً للتساؤل والنقاش بحسب هؤلاء.

ووفقا لخبراء فإن تصديق دار الإفتاء على مثل هذه الأحكام السياسية التي تصدر بغضاء قضائي تستهدف إضفاء بعد شرعي على هذه الأحكام الجائرة، وقد دفع هذا الرقم الهائل من أحكام الإعدام منظمات قانونية وحقوقية عربية ودولية إلى التشكيك في نزاهة القضاء المصري.

كما أن موافقة المفتي تضفي على تلك الأحكام بُعدا شرعيا، رغم اتهامات من جهات عديدة بأنها مسيسة وملفقة، ورغم عدم الكشف عن الأدلة الشرعية التي استند إليها المفتي في التصديق على الأحكام القضائية.

وبحسب الدكتور عصام عبدالشافي، المحلل والأكاديمي، فإن كل الأحكام القضائية التي صدرت منذ انقلاب 3 يوليو 2013 يغلب عليها التسييس، وقال إن الغالبية العظمى من تلك الأحكام وسيلة من وسائل الابتزاز السياسي التي تمارسها سلطات الانقلاب ضد معارضيها. واعتبر أن المؤسستين الدينية والقضائية في مصر أصبحتا أداة من أدوات العسكر، مشددا على أن ما بني على باطل من أحكام القضاء فهو باطل.

وأوضح عبد الشافي، في تصريحات سابقة للجزيرة الإخبارية، أن رأي المفتي ودار الإفتاء وسيلة من وسائل إصباغ الشرعية على الأحكام التي يصدرها القضاء.

بدوره، أكد الباحث الإسلامي عصام تليمة أن على المفتي أن يقرأ الأوراق ورقة ورقة ولا يصدر رأيه إلا إذا رأت الأدلة مجتمعة والتقارير العامة أن الشخص قد ارتكب الجريمة فعلا، لافتا إلى ضرورة توفر عنصر الإجماع في ذلك. واعتبر أن المفتي في مصر اليوم يتلاعب بالشرع إرضاء للسلطة التي عينته، مؤكدا أن مؤسسة الأزهر تم تسييسها. وخلص تليمة إلى أن العسكر تلاعب بالمؤسسة الدينية وسعى إلى الهيمنة عليها بشقيها الإسلامي والمسيحي.

رابط دائم