يبدد نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، كل يوم الوطنية المزعومة التي يرفع شعارها من خلال فرض التقشف على الغلابة، وترك حبل الفساد والمحسوبية للأغنياء وأصحاب النفوذ.

فمقابل كل دعوة للتقشف في مصر، يفرضها نظام الانقلاب العسكري، على الغلابة والفقراء، تجد أمامها مليارات الجنيهات تنفق على القصور والطائرات والسيارات الرئاسية، وسيارات المسئولين ورحلاتهم وبيوتهم، حتى نجح السيسي ونظامه في قتل الوطنية في صدور المصريين.

كان الكاتب والروائي العالمي نجيب محفوظ أول من رصد خداع العسكر للطبقة الفقيرة، بالتقشف، والتي بدأها الراحل جمال عبد الناصر، بمقولته الشهيرة : ” لو هنشرب 3 كوبيات شاي في اليوم هنشرب كوباية واحدة ولو هناكل لحمة مرتين في الأسبوع هناكل مرة واحدة.

ورصد نجيب محفوظ هذا النصب العسكري في عدد من الروايات منها رواية “الحب فوق هضبة الهرم” ورواية “القاهرة 30” و”اللص والكلاب”، وغيرها.

وعلى هذا الوضع، تأسس نضال المصريين من النخبة التي تحتوي على ضباط الجيش والشرطة والقضاة والصحفيين العاملين في بلاط الانظمة العسكرية.

خداع استراتيجي

ولم يجد المصريون من هذه النخبة من يتحدث عن هذا الخداع الاستراتيجي الذي يمارسه نظام السيسي ويستفيد منه هؤلاء، في الوقت الذي مازال النظام يخدع الغلابة بأهمية التقشف والجوع من أجل بناء مصر.

إلا أن المتابع يجد أن البناء دايما يكون في صالح قصور الأغنياء وأصحاب السلطة، والتي كان شاهدا عليها في الأيام الأخيرة رغم وجود 30 قصر رئاسي في مصر، تشييد 3 قصور جديدة، أحدها في العلمين وآخر في العاصمة الإدارية.

وتساءل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي: “كم تكلفة بناء هذه القصور، وهذه التكلفة كان يمكن استخدامها في بناء كم مدرسة لتعليم أطفالنا، أو مصانع لتشغيل أبنائنا أو حتى إنقاذ عائلات لا تجد ما يسترها”.

قارنت تقارير صحفية بين خطة التقشف النموذجية على مستوى العالم للدول التي تريد أنظمتها الحاكمة إحداث نهضة حقيقية لتحقيق شيئ من العدالة الاجتماعية، والاعتماد على مواردها وثرواتها الطبيعية في إنجاز مخططها الاستراتيجي من وراء فرض حالة التقشف، وبين نظام مثل نظام الانقلاب العسكري في مصر الذي يفرض التقشف على الغلابة فقط، بعد رفع الدعم عنهم، وترك الحبل على الجرار للأغنياء من خلال الفساد، والاستيلاء على ثروات البلاد.

وقالت التقارير والإحصاءات التي بنت معلوماتها بناء على أرقام صندوق النقد الدولي، التي تحدثت عن حقيقة التقشف في مصر الذي يفرضه نظام عبد الفتاح السيسي على الغلابة فقط، إن دولة السيسي فرضت أسعار مضاعفة لفواتير الكهرباء والمياه والغاز، وزيادة الضرائب القائمة بما في ذلك الضرائب على الدخل والشركات والممتلكات والمبيعات وأرباح رأس المال، وفرض المزيد من أنواع الضرائب الجديدة كالضرائب العقارية وضريبة القيمة المضافة، فضلاً عن استحداث العديد من الرسوم تجاه الخدمات التي تُقدمها الدولة؛ كتسجيل عقود الإيجار والزواج والطلاق والميلاد والوفاة ورسوم السجل التجاري وزيادة رسوم الحصول على خطوط الهاتف وكذلك فواتير الاستهلاك الشهرية.

الطبقة المتوسطة

وأضافت التقارير، أن الطبقة المتوسطة دفعت ثمن الإصلاح المزعوم من قبل نظام السيسي، بعد أن أصبح المواطن الغلبان ضحية هذه الإصلاحات للحصول على حزمة قروض من صندوق النقد الدولي، بلغت 12 مليار دولار، إلا أنه وبالرغم من إشادات من المجتمع الدولي، وعلى رأسه اقتصاديو صندوق النقد والبنك الدولي بتلك الإجراءات، لكن ذلك لم يساعد المصريين من ذوي الدخل المتوسط، وهم يمثلون نسبة لا تقل عن 60% من المجتمع المصري، على الوفاء باحتياجاتهم اليومية من طعام وشراب وتعليم.

وأكدت أن الأثر السلبي الأكبر لتلك الإصلاحات يقع بالأساس على عاتق الطبقة المتوسطة في مصر، فتخفيض قيمة الجنية المصري في نوفمبر 2016، وخسارة العملة لأكثر من نصف قيمتها دفع التضخم إلى تسجيل أعلى مستوياته فوق 30% في صيف العام الماضي 2017، وذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة، وفقًا لخطة رفع الدعم عن الطاقة.

وأشارت إلى أنه وبالرغم من زيادة الأجور من 15 إلى 20% خلال العام الماضي، علمًا بأن تلك الزيادة قد طُبقت فقط على القطاع العام أي نحو 6-7 ملايين موظف فقط. فأبناء الطبقة المتوسطة التي اختفت بشكل كبير في الوقت الراهن، أصبحوا يخشون من أي أحداث طارئة قد يتعرضون لها، لعدم وجود ما يكفي من الأموال لمواجهتها.

انحياز للأغنياء

هل المواطن الذي تطالبه الحكومة بالتقشف يستطيع تحمل تلك التكاليف الزائدة؟ أم أن الحكومة تضحك على المواطنين؟

الحقيقة المرة أن الحكومة تنحاز للأغنياء فقط.. وعلى نحو 85% أو أكثر فعلى أبناء الشعب الفقراء أن يبقوا تحت خط الفقر بلا خدمات ولا مواصلات ولا سبل معيشة لائقة، حيث تسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في إغلاق آلاف المحلات والشركات وزادت معدلات الكساد.

كما أثر ارتفاع أسعار الوقود على أصحاب الأعمال والزبائن على السواء، حيث ارتفعت تكاليف نقل السلع الأساسية والكماليات، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وضغط المستهلكين للإنفاق.

والغريب أن دعوات التقشف لا تنطبق إلا على الفقراء فقط، أما الأغنياء وكبار مسئولي الحكومة فيغطون في الرفاهية بزيادة مخصصاتهم المالية.. من زيادة ميزانية مجلس نواب السيسي بنحو 1.2 مليار جنيه كزيادة في رواتب وبدلات النواب في ميزانية 2018/2017.. وزيادة رواتب ومعاشات العسكريين نحو 9 مرات خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، بجانب زيادة رواتب القضاة الذين يشكون من ضيق الحال، بحسب بعض إعلامي السيسي، ووزير ظلمه أحمد الزند سابقا!!

كما أن التقشف الذي يدعو إليه ويروج له أذرع السيسي الانقلابية، والمخصص للفقراء فقط لا يطبق على المربع الأمني الذي يخصصه السيسي لحوارييه بجوار العاصمة الإدارية الجديدة والذي يتم إنشاؤه على الطراز الأوروبي، كما يستثنى منه برك المياه والمنتجعات بطريق الإسكندرية الصحراوي.

وفي الوقت الذي يطالب فيه قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الشعب المصري، مرات عديدة، بالصبر والتحمل، وقام بمنع الاستيراد؛ بدعوى أن المصريين يستوردون سلعا غير ضرورية، تجد السيسي في الوقت ذاته؛ لا يرتدي ولا يشرب ولا يركب إلا كل ما هو مستورد، ومن الماركات العالمية الباهظة السعر، بحسب نشطاء ومراقبين.

ليكون الشعار الوحيد الذي يفرضه العسكر على مر العصور: ” جوعوا تصحوا من أجل حياتنا نحن”.

رابط دائم