كتب إسلام محمد:

جاء إعلان السعودية اليوم عن إلقاء القبض على 4 أشخاص بتهمة الإرهاب، واستهداف تفجير منشآت بالمملكة بعد يومين فقط من اعتقال السلطات السعودية مجموعة من الدعاة المرموقين الذين يتمتعون بقبول واسع في الشارع السعودي، لأسباب لم يتم الإعلان عنها رسميا، إلا أنها تتلخص في رفض هؤلاء الدعاة الانسياق في حملة مهاجمة قطر التي تقودها سلطات المملكة، إضافة إلى مباركتهم الاتصال الذي تم بين كل من أمير قطر وولي العهد السعودي قبل أيام.

التتابع المثير بين القبض على الدعاة والإعلان عن ضبط مجموعات خططت للقيام بتفجير بعض المنشآت الحيوية أثار الريبة حول التوقيت ومدى جدية الاتهامات التي تم القبض على اثنين يمنيين وآخرين سعوديين بناء عليها، كما أثار التساؤل: هل الإعلان عن "جهود رئاسة أمن الدولة" جاء لتخفيف التضامن الواسع الذي حظي به الدعاة الذين تم اعتقالهم ولم يتم الإعلان رسميا عن ذلك أو كشف أماكن احتجازهم.

الأمر ليس مستحيلا أو مستبعدا؛ حيث دأبت الأنظمة العربية على اتباع أٍلوب"بص العصفورة" في التعامل مع القضايا التي تنال متابعة إعلامية واسعة، والتي تكون فيها الدولة في الموقف الضعيف؛ فيتم اللجوء إلى تفجير قضية أخرى تتعلق بأمن الدولة وسلامتها؛ حتى ينشل بها الرأي العام في تلك الدولة بعيدا عن القضية الأصلية، كما يحدث ذلك تبريرا لقيام السلطات بالإجراء الأول.

وفي هذه الحالة يشير مراقبون إلى أنه ليس مستبعدا أن يتم الإعلان عن كشف تلك "الشبكة" لتبرير اعتقال هؤلاء العلماء الذين نال خبر القبض عليهم تعاطفا واسعا معهم، في الوقت الذي حازت السلطات السعودية بناء عليه على سخط شديد، عبر عنه الكثير من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين لفتوا إلى أن اعتقال الدعاة الرافضين لمقاطعة قطر أو حصارها والمؤيدين لجهود المصالحة الخليجية، يعتبر إجرا تعسفيا من جانب السلطات السعودية يضاف إلى سجلها في قمع المعارضة وعدم التجاوب مع دعوات منح السعوديين قدرا من الحرية في التعبير عن الرأي.. على الأقل.

ماذا حدث اليوم؟
أعلنت السعودية، اليوم، أن "رئاسة (أمن الدولة) السعودية تمكنت خلال الفترة الماضية من رصد أنشطة استخباراتية لمجموعة من الأشخاص لصالح جهات خارجية ضد أمن المملكة ومصالحها ومنهجها ومقدراتها وسلمها الاجتماعي بهدف إثارة الفتنة والمساس باللحمة الوطنية".

وبالتزامن مع الإعلان الرسمي نشر التلفزيون الرسمي السعودي مقطع فيديو يرصد تفاصيل استهداف وزارة الدفاع السعودية من قبل ما قال إنهم انتحاريون.

وصرح مصدر مسؤول بوزارة الداخلية السعودية أنه "تم إحباط مخطط إرهابي لتنظيم داعش كان يتسهدف مقرين تابعين لوزارة الدفاع في العاصمة السعودية الرياض بأحزمة ناسفة".

وذكر البيان أنه تم ضبط المتهمين بتنفيذها قبل بلوغهما المقر المستهدف وهما شخصان يمنيان: أحمد ياسر الكلدي وعمار علي محمد، كما ألقي القبض في الوقت ذاته على شخصين سعوديي الجنسية ويجري التثبت من علاقتهما باليمنيين.

وأعلن المصدر أنه تم ضبط حزامين ناسفين، وتسع قنابل يدوية محلية الصنع، وأسلحة نارية وبيضاء. في استراحة بالرياض، قال إنها "اتخذت وكرا للانتحاريين والتدرب فيها على ارتداء الأحزمة الناسفة وعلى كيفية استخدامها".

وقبل أيام.. اعتقلت قوات الأمن السعودية عددا من العلماء والدعاة المرموقين، دون توجيه تهم رسمية أو إحالتهم إلى جهات التحقيق لقضائية؛ على خلفية رفضهم الدور السعودي في حصار قطر.

ولم تعلن السلطات الخبر أو الشخصيات المقبوض عليها أو أسباب ذلك؛ بل كشف عن الأمر أقارب وتلاميذ هؤلاء الدعاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وتم القبض على كل من المشايخ: سلمان العودة، عوض القرني، علي العمري، محمد بن موسى الشريف، فهد السنيدي، محمد عبدالعزيز الخضيري، إبراهيم الحارثي، غرم البيشي، محمد الهبدان، يوسف الأحمد، إبراهيم الناصر.

وبالتزامن مع هذا الاعتقال تم التضييق على الكاتب جمال خاشقجي، رئيس تحرير جريدة "الوطن" السابق، ومنعه من كتابة مقاله بجريدة "الحياة" اللندنية التي اعتاد الكتابة فيها منذ فترة طويلة، وجاء المنع بعد أوامر من مالك الصحيفة. على خلفية التغريدات التي أطلقها "خاشقجي" خلال الأيام الماضية، حول اعتدال فكر الإخوان، ورفضه اعتقال العلماء، ومناشدته سلطات الانقلاب في مصر بالتحقيق الفوري في جرائم التعذيب التي كشفها مؤخرا تقرير منظمة"هيومن رايتس ووتش".

وفي نفس الوقت تعاني السعودية من موجة غضب مكتومة بسبب الخسائر التي منيت بها قواتها في اليمن على أيدي الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح. حيث يقتنع قطاع من السعوديين بأن بلادهم تورطت في حرب اليمن، وأنها تخسر مع كل ساعة تظل فيها هناك. على صعيد القوات الموجودة باليمن أو أمن المملكة الذي لم يعد آمنا بشكل كبير.

الشقيقة الكبرى
ولأن مصر تمثل الشقيقة الكبرى، فلم تفوت فرصة منح "النموذج العملي" للسعودية في تنفيذ سياسة" بص العصفورة" خلال الأيام الماضية؛ فبعد يوم زود من قتل ميلشيات الانقلاب 10 شباب أبرياء في منطقة "أرض اللواء"، والأدلة التي تكشف أن هؤلاء الشباب كانوا مختفين قسريا، وأنهم يتمتعون بسمعة ممتازة لا تسمح على الإطلاق بارتكابهم أي من الاتهامات التي تلقيها مليشيات الانقلاب بشكل معتاد على رافضي الانقلاب.

فلم يمر يوم واحد إلا وتم الإعلان عن مقتل 18 شرطيا في تفجير 4 مدرعات شرطة وسيارة تشويش، في هجوم كبير نفذته "عناصر مسلحة" على قوة أمنية عائدة من مدينة بئر العبد باتجاه مدينة العريش. وهو ما يأتي ضمن الأحداث غير المنطقية التي تشهدها سيناء التي لا يدري أحد ما يحدث بها نتيجة التعتيم الشديد الذي تفرضه سلطات الانقلاب على ما يحدث فيها. 

رابط دائم