عامر شماخ

لم يكن حادث تحويل القبلة مجرد توجه المسلمين بالصلاة إلى البيت الحرام، مسجد إبراهيم، بدلاً من بيت المقدس كما يظن البعض، بل كان لهذا التحول ما بعده؛ إذ ليس الأمر متعلقًا بأفضلية جهة على جهة، فلله المشرق والمغرب، وليس البر أن يولى المسلم وجهه شطر ناحية دون أخرى، وبالمثل انتفاء الإعادة على المخطئ فى جهة صلاته ولو انتهى منها، إنما الأمر خاصٌ بتحول تام فى إرث النبوة، ومفاصلة بين الدين الخاتم والأديان السابقة التى صار يهيمن عليها، ثم هو امتحان واختبار؛ ليعلم الله -عز وجل- (مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: 143].

لما كتب الله لهذه الأمة قيادة الدنيا، أراد لها الكمال، والتميز، وعدم اتباع أو التشبه بمن سبقها من الأمم، خصوصًا اليهود الذى حرفوا وبدلوا ونقضوا عهودهم مع الله؛  فجعل أمتنا هى أوسط (أخير) الأمم )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: 143]،  والمجال لا يتسع للحديث عن هذه الخيرية التى شهد الله بها فى كتابه بقوله عز وجل: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، وهذه الوسطية (الخيرية)  تقتضى الانخلاع من كل ما كانت عليه الأمة السابقة، اليهود؛ حتى قبلتهم فى الصلاة، وأن يكون الدين الخاتم على ملة أبى الأنبياء إبراهيم –عليه السلام- الذى لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولم تكن له قبلة يتوجه إليها فى صلاته سوى قبلة مسجده، بيت الله الحرام، الذى كان محمد -صلى الله عليه وسلم- يتوق إلى استقباله والصلاة إلى كعبته (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ…) [البقرة: 144].

إن مما خلا من الدين قبل محمد -صلى الله عليه وسلم- داخل فى دينه، إلا ما وضعه المحرفون بأيديهم،  وقد شاء الله للجميع أن يستظلوا براية الإسلام، وإعلان البراءة من كل هوى أو ميل لأديان أو مذاهب أخرى، وأوحى الله تعالى إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بهذه المشيئة، فأمره بافتتاح كل صلاة بسورة هى أعظم السور (الفاتحة)، وفيها: (اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 6، 7]، وأكد فى أكثر من موضع فى كتابه الكريم أن هذا الدين  هو صراط الله المستقيم المخالف لكل ما اعوج من السبل (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  [الأنعام: 153]؛  أفبعد هذا يحق للمسلمين أن يتبعوا سبيلًا غير سبيل الله الجلى، أو أن يستقبلوا قبلة من استُبدلت ملتهم وفسدت عقيدتهم وصاروا مغضوبًا عليهم؟!  بل لما شرع تعالى فى الحديث عن أمر التحويل، فى سورة البقرة، قدم عليه مباشرة هذه الآية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)؛ [البقرة: 134] ليؤكد للمعصوم -صلى الله عليه وسلم- أن هؤلاء قد تقادم زمنهم، وانتهى عهدهم.

وكون التحويل أو التغيير مرفوضًا من اليهود الذين قالوا إن محمدًا خالف الأنبياء فى وجهة صلاته ولو كان نبيًّا ما خالفهم؛  فلا يعنى ذلك صدقهم فيما يقولون، أو صحة ما يزعمون؛  إذ رد الله عليهم فاضحًا سريرتهم: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ…) [البقرة: 145]، إنه الكبر والعناد،   والكفر بعدما تبين لهم الحق (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 146]، والله لا يضيع أجر المؤمنين، عكس ما زعموا: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 143].

أما أمر التحويل بالنسبة للمسلمين فهو على دروس عدة، فقد كان لمعاصريه امتحانًا واختبارًا:  (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) [البقرة: 143]، ولمن جاءوا بعدهم: الشعور بعظم المسئولية الملقاة عليهم؛  فهم أتباع الدين المهيمن، أهل التقى والإيمان، المستمسكون بحبل الله المتين،  وشرعه القويم، لا يضرهم من ضل إذا كانوا مهتدين، وهم فى هدى ما داموا على الطريق التى وضعهم الله عليها، يقولون سمعنا وأطعنا، آمنا به كل من عند ربنا.

ولا يخلو عالم اليوم من يهود ونصارى ومنافقين وملاحدة ممن خاضوا فى أمر القبلة، ولكل زمان وسائل وسبل يشككون بها فى مسائل الإيمان. والمسلم الحق من يأخذ بوصية الكتاب الخالد التى وردت فى قصة التحويل فى سورة البقرة:  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153]؛ فلا شىء أنفع منهما فى مواجهة كيد الأعداء، واحتمال الخطوب؛ مع الأخذ فى الاعتبار أن القابض على دينه لن يسلم من ادعاءات المعادين: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120]، والسلامة كلها فى طاعة الله والثقة فيما جاء من عنده، كما فعل الصحابة الكرام؛ ذلك الفريق الذى كلما ذُكر أمر تحويل القبلة ذُكر معه إخلاصهم وثباتهم؛  إذ جاء عن البراء فى البخارى: (أن النبى صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى أول صلاة، صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى مع النبى فمر على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله  لقد صليت مع النبى -صلى الله عليه وسلم- قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت). نسأل الله اليقين.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم