أصبحت الكفالات المالية الكبيرة التي يدفعها معارضو الانقلاب لإخلاء سبيلهم، أو الغرامات التي تفرض عليهم بعد صدور أحكام انتقامية ضدهم، أمرًا شائعًا في مصر منذ انقلاب يوليو 2013، حتى إن نشطاء ومعارضين يقولون إن هذه الغرامات باتت أحد مصادر الدخل لأعوان وأذرع قائد الانقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي.

يحكي الشاب الثلاثيني”محمد ح” وقد أصيب في مجزرة فضّ اعتصام ميدان رابعة العدوية، ثم ألقت قوات الانقلاب القبض عليه أثناء ذهابه إلى إحدى جلسات العلاج الطبيعي لمعالجة آثار إصابته، ووجهت إليه تهم المشاركة في تظاهرة من دون ترخيص والانضمام إلى جماعة إرهابية، وغيرها من التهم، وعقب شهرين من حبسه، قرّرت النيابة إخلاء سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه.

“محمد ح”، من الشباب العاطل من العمل بسبب إصابته وتتولى والدته بمعاشها الضئيل كفالته مع أسرته، كان العائق أمام حريته ارتفاع قيمة الكفالة، إلا أن أصدقاءه استطاعوا جمع المبلغ حتى يستطيع الخروج واستكمال علاجه، محمد وجد مَن يدفع له المال ليشتري حريته، ولكن ما مصير المئات غيره ممّن لا يعلم أحد أنهم لا يملكون ثمن حريتهم؟

لحم المتهمين

على مدار أكثر من 5 سنوات أصدر قضاة الانقلاب قرارات بإخلاء سبيل رافضي الانقلاب مثل الشاب “محمد ح” ؛ بعد دفع كفالات ضخمة لم تعرفها المحاكم من قبل، من بينها الحكم على 12 طالبا بجامعة الأزهر في نوفمبر 2013، بالسجن 17 عاما، أو دفع 64 ألف جنيه كفالة لكل منهم.

وفي قضية المظاهرات المعارضة لتنازل العسكر عن جزيرتي تيران وصنافير؛ أصدرت محكمة استئناف الجيزة في مايو الماضي قرارا بالإفراج عن عشرات المتهمين بكفالة بلغت قيمتها 100 ألف جنيه لكل معتقل، وبلغ إجمالي الغرامات أربعة ملايين و700 ألف جنيه، وبعد تقديم استئناف على الحكم؛ ألغت المحكمة الحبس، ولكنها أبقت على الغرامة المالية الباهظة، بل إن رئيس المحكمة رفض طلبات 47 متهما بتقسيط قيمة الغرامة، وأصر على دفعها مرة واحدة!

يقول الناشط السياسي مجدي كامل: “قالك كل قاضي يقرر يلبس متهم كفالة معينة ليه نصها عرقه يعني يقولك كفالة مليون جنيه يقوم يروح يقبض نص مليون ليه ونص مليون للحكومة يعني من الآخر القضاء بقي سوق والقاضي بقي الكاشير ومصر الله يرحمها بقي مش قلتلكم بقوا موظفين عند السيسي”؟

أما عبدالله زياد، المتهم السابق في قضية تظاهر، فقال إن مبلغ الكفالة الذي تفرضه المحكمة يختلف من متهم إلى آخر، ويتوقف على درجة ثرائه، مؤكدا أن هناك تواطؤا بين الأمن والقضاة، حيث تخبر الشرطة القاضي بأسماء المتهمين الأثرياء، بحسب وظائفهم أو انتمائهم لعائلات كبيرة، ليفرض عليهم القاضي غرامة أو كفالة ضخمة.

وأضاف زياد أن قضيته كان أحد رجال الأعمال متهما فيها أيضا، وفرضت عليه المحكمة كفالة بقيمة 100 ألف جنيه، بينما فرضت على متهمين آخرين في القضية ذاتها مبلغ 500 جنيه فقط.

وقالت والدة أحد المعتقلين -رافضة ذكر اسمها- إنها دفعت 50 ألف جنيه رشوة لسكرتير محكمة، كوسيط بينها وبين أحد القضاة، حتى يتم الإفراج عن ابنها، وتبرئته من التهم المسندة إليه، وبالفعل تم إطلاق سراحه.

وأكد المحامي المتخصص في الدفاع عن المتظاهرين المعتقلين “ع. ك” أنه شاهد بنفسه عشرات الحالات التي تم فيها إطلاق سراح المعتقلين من قسم الشرطة بعد دفع رشوة للضباط، قبل أن يتم تحويلهم إلى النيابة العامة.

دخل للدولة

من جهته استشعر نادي القضاة الحرج الشديد بعدما فاحت رائحة العصابة، وبات القضاة شركاء في الدم والقتل والإعدام وحتى سرقة المظلوم تحت شعار الكفالة، وذرا للرماد في العيون قدم النادي رفضه للتعديلات التي أدخلتها اللجنة التشريعية في برلمان الدم، على المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية ضمن المشروع المقدم من حكومة الانقلاب، التي نصت على تخصيص نصف مبلغ كفالة الإفراج عن المتهم لصندوق الرعاية الصحية والاجتماعية للقضاة، واستشعر القضاة ان حكومة الانقلاب تريد فضح القضاة أكثر وأكثر ونشر غسيلهم القذر.

وخاطب مجلس إدارة النادي برئاسة المستشار محمد عبد المحسن، رئيس برلمان الدم علي عبد العال، بهذا الرفض، مهيبًا به تدارك هذا النص الذي “يضع بصياغته القضاء المصري في مواطن الشبهات”، معربًا عن أمنيته في أن يجد برلمان الدم صيغة أخرى بما لا ينال من هيبة القضاء وكرامتهم ويخفي البيزنس.

وفي تصريحات سابقة لصحيفة “اليوم السابع”؛ قال المستشار خالد النشار، مساعد وزير العدل في حكومة الانقلاب، أن “وزارة العدل حصّلت رسوما قضائية وكفالات خلال العامين الماضيين فقط؛ بلغت مليارَين و411 مليون جنيه”، ويرى محامون أن هذه المبالغ تشبه الإتاوات التي تفرض جبرا على المتهمين، فقال طارق العوضي، محامي المتظاهرين في قضية “جمعة الأرض”، عبر حسابه على “فيسبوك”: “خطفوا الشباب، والفدية 100 ألف جنيه على كل رأس”.

رابط دائم