لغة القرآن والحقوق والحريات ورفض الظلم وإسقاط الطغاة، إنها العربية التي لا تختلف أوضاعها في أوطانها عن كارثيةٌ الناطقين بها، وهذا زعمٌ لا مبالغة فيه، ليس فقط من حيث النفوذ المهول الذي صارت عليه اللغة الإنكليزية في غير بلدٍ عربي، والفرنسية في بلاد المغرب العربي، وإنما أيضا لأن مؤسساتٍ في قطاعاتٍ عريضة، خاصةً وحكوميةً، تتعفّف عن استخدام العربية في مخاطبات موظفيها ومكاتباتهم، فتستبدلها بالإنكليزية.

ولم يدخر إعلام العسكر منذ انقلاب الفاشي عبد الناصر وحتى السفيه السيسي، من اعتبار “العربية” مؤشّراً إلى دونيّة المستوى الثقافي، فيما الحديث بالإنكليزية، أو تطعيم العربية بمفرداتٍ وفيرةٍ منها، دليلُ رقيٍّ وتحضّر، فضلا عن هذا وذاك، تتردّى اللغة العربية بين المصريين بتسلّل العاميات في الإعلام إليها، ويزداد حالُها تدهورا في غيابها شبه التام في الفنادق والبنوك والمجمعات التجارية الكبيرة.

الحرب على اللغة

ولم يتبق منها في عهد السفيه السيسي سوى الركاكة التي يتحدث بها في مؤتمراته الصحفية، التي يخرج بها على أهلها في كل مناسبة، فيهاجم نصوصها ومقدساتها وثقافتها، في الوقت الذي يسعى فيه لتغريب لغة القرآن، وإعلان الحرب عليها من خلال مشروعاته الإعلامية والتعليمية، بعد أن حيّد الثقافة ومنع القراءة، واعتقل الشباب في محطات مترو الأنفاق والميادين والمقاهي الثقافية؛ خوفًا من انتشار عدوى الثقافة والقراءة بين الناس والخروج على جهله.

وتتعرض اللغة العربية في هذا العصر إلى أعنف هجمة لها على الإطلاق وأشدها وطأة، واقعة بين سندان الإهمال في دراستها وتربية الأجيال عليها، وبين مطرقة المؤامرات التي تحاك لها وسوء الفهم لخصائصها وإمكاناتها، في ظل هيمنة ثقافية غربية عاتية تقوم عليها جهات تدأب ليل نهار على نشر ثقافتها من خلال لغتها بجميع الوسائل والصور.

وبذل نظام الانقلاب العسكري جهودا كبيرة لتغييب اللغة العربية، من خلال الحرب عليها في المدارس وتعمد تغريبها، بفرنجة التعليم المدرسي، بعد إنشاء مدارس اللغات التي تعتمد في دراستها على اللغات الأجنبية دون اللغة العربية، فضلا عن البرامج التي تذاع على القنوات الفضائية التي تم إنشاؤها بمعرفة مخابرات السيسي، ويتم فيها تغريب الوعي والثقافة، بالإضافة إلى الحرب على التراث العربي والإسلامي التي تتم برعاية السيسي ليل نهار.

ووسط هذه الفوضى والانحطاط في مصر، على الجانب الآخر أصدر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر، قانونا بشأن حماية اللغة العربية، متضمنا جملة من العقوبات بحق كل من يخالفه، ويشدد القانون على جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية ضرورة حماية ودعم اللغة العربية في كل الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها، وفقا لصحيفة الوطن القطرية.

قانون تميم

وتلتزم الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة باستعمال اللغة العربية في اجتماعاتها ومناقشاتها، وفي جميع ما يصدر عنها من قرارات ولوائح تنظيمية وتعليمات ووثائق وعقود ومراسلات وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات مرئية أو مسموعة أو مقروءة وغير ذلك من معاملات، وفقا للقانون.

ويسري ذلك أيضا على الجمعيات والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، والجهات التي تمول موازناتها من الدولة، وتصاغ تشريعات الدولة باللغة العربية، ويجوز إصدار ترجمة لها بلغات أخرى، إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.

وأكد القانون أن اللغة العربية هي لغة المحادثات والمفاوضات والمذكرات والمراسلات التي تتم مع الحكومات الأخرى والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤتمرات الرسمية، مع إرفاق النص باللغة الأخرى المعتمدة لتلك الجهات، وتعتمد اللغة العربية في كتابة المعاهدات والاتفاقيات والعقود التي تعقد بين الدولة والدول الأخرى والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، ويجوز اعتماد لغة أخرى، على أن ترفق بها ترجمة إلى اللغة العربية.

واللغة العربية هي لغة التعليم في المؤسسات التعليمية العامة، إلا إذا اقتضت طبيعة بعض المقررات تدريسها بلغة أخرى، وفقا لما تقرره وزارة التعليم والتعليم العالي في قطر، وتلتزم المؤسسات التعليمية الخاصة بتدريس اللغة العربية مادة أساسية مستقلة ضمن مناهجها، في الحالات ووفقا للقواعد والضوابط التي تضعها وزارة التعليم والتعليم العالي.

وتلتزم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة بالتدريس باللغة العربية، إلا إذا اقتضت طبيعة بعض البرامج الأكاديمية تدريسها بلغة أخرى، وفقا لما يقرره مجلس أمناء الجامعة أو وزارة التعليم والتعليم العالي، بحسب الأحوال، وألزم القانون بنشر الأبحاث العلمية التي تمولها الجهات الحكومية وغير الحكومية باللغة العربية، ويجوز النشر بلغات أخرى، على أن يقدم الباحث في هذه الحالة، مختصرا للبحث باللغة العربية، وتسمى بأسماء عربية الشركات، والمؤسسات ذات الأغراض التجارية والمالية والصناعية والعلمية والترفيهية أو غير ذلك من الأغراض، ويجوز للشركات والمؤسسات العالمية والمحلية التي يكون لأسمائها الأجنبية أو أسماء منتجاتها شهرة عالمية ذات علامة مسجلة، أن تحتفظ بالاسم الأجنبي، على أن تتم كتابته باللغة العربية إلى جانب اللغة الأجنبية.

العسكر متغربون

وتكتب باللغة العربية البيانات والمعلومات المتعلقة بالمصنوعات والمنتجات القطرية، ويجوز أن يرفق بها ترجمة بلغة أخرى، كما تكتب العلامات التجارية والأسماء التجارية والمسكوكات والطوابع والميداليات باللغة العربية، ويجوز كتابة ما يقابلها بلغة أخرى على أن تكون اللغة العربية أبرز مكانا، بحسب القانون.

ومع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، يعاقب بالغرامة التي لا تزيد على خمسين ألف ريال، كل من خالف أيا من أحكام المواد (2/‏فقرة ثانية)، (5/‏فقرة ثانية)، (8)، (9)، (10) من هذا القانون، ويعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية للشخص المعنوي المخالف بذات العقوبة المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون، إذا ثبت علمه بها وكانت المخالفة قد وقعت بسبب إخلاله بواجبات وظيفته.

وينص القانون على أنه “على الجهات الخاضعة لأحكام هذا القانون، توفيق أوضاعها بما يتفق وأحكامه خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به، ويجوز لمجلس الوزراء مد هذه المهلة لمدة أو مدد أخرى مماثلة”، فهل يجعل العسكر في عروقهم بعض الدماء ويخدمون تلك اللغة التي ينطقها المصريين أو على الأقل يكفون أيديهم عنها؟

رابط دائم