ما من لافتة (يافطة) من لافتات التأييد التى انتشرت فى أنحاء المحروسة -رغبًا ورهبًا- إلا كُتب عليها هذه العبارة: «من أجل مصر»، ويعلم الله أن من كتب هذا كاذب؛ فإن المهزلة برمتها «من أجل هلاك مصر»؛ فالإمعة الذى تطوع بالإنفاق على اللافتة لمصالح يبغيها كتبها لتضليل الناس، والحجة: مصر التى فى خاطره، ولو أراد الخير لبلده وكانت مصر فى خاطره -كما يدّعى- لتردد ألف مرة قبل أن يخط هذه العبارة العاطفية الشائكة.

أما الذىن علّقوا اللافتة رهبًا -وهم الأغلبية- فما كتبوها ولا رأوا من كتبها، إنما فرضت عليهم فرضًا، هم فقط من دفعوا ثمنها لشركة الدعاية المحظوظة، إنما الجملة من وحى «الجهة السيادية» التى ما فتئت تدغدغ مشاعرنا بتلك الجمل الرنانة التى تلعب على أوتار الانتماء والوطنية و(المهلبية) وغيرها..

والله لقد رأيت من يعلق اللافتة بيديه، وقلبه ولسانه يلعنان مصر؛ ليست مصر الأرض والتراب والوطن، بل مصر النظام والعسكر والتبعية والتخلف، ورأيت من يعلقها ويبصق عليها فى الوقت ذاته؛ لأنه «مقهور» على حد تعبيره، وأنه إنما فعل ذلك لئلا يقطعوا عيشه، ويمنعوا رزقه ولئلا يدخلوه فى سلك المتعاطفين مع «الجماعة» فيغضبوا عليه فيصير إما مقتولا أو محبوسًا أو مصادرة أمواله..

فى حى سكنى مخالف (على الكورنيش) كان أرض فضاء ملكًا للدولة، وقام المئات ببناء الأبراج المخالفة عليها. هدد النظام منذ فترة بإزالة هذه الأبراج المطلة على النيل والتى تكلفت المليارات. فماذا فعل أصحابها هذه الأيام؟ علقوا آلاف اللافتات على هذه الأبراج وحولها حتى لكأنها غابة لافتات. فهل هذا «من أجل مصر؟» أبدًا والله؛ بل من أجل استكمال حلقة من حلقات الفساد؛ من أجل أن تتنازل عصابة عن حق للشعب لعصابة أخرى فى مقابل هذا التأييد.. وهكذا دواليك.

مستحيل أن يكون أحدهم مقتنعًا بالإعلان الذى كُتب له، وقد سجن له ابن أو أخ أو قريب أو صديق أو زميل على يد من يؤيدونه زورًا. مستحيل أن يفعل ذلك وقد تكون الشركة التى يعمل بها تحت التحفظ، أو أن يكون أحد قرابته أو معارفه -وهو يعلم من هو صدقًا وإخلاصًا ورجولة- وقد صودرت أمواله ومُنع من التصرف فيها؛ فما من مصرى الآن إلا وقد وصلت إليه أنباء ما يفعله هذا المرشح فى مصر وأبنائها، وقد طالت تلك الكوارث بيوت مصر بيتًا بيتًا..

أما القلة المأجورة -التى اتفقنا على أنها أيضًا ليست مقتنعة بما فعلت- فهم المنتفعون، الفاسدون، الباحثون عن الجاه والشهرة، المتطفلون الذين لا تروج بضاعتهم إلا فى هذا الجو العفن، والطائفيون الضالون الذين يحتمون بضالين أمثالهم -فهؤلاء جميعًا غرقى فى أوهامهم ومصالحهم، فلا يصلحهم اللوم، ولا يثنيهم العتاب، ولا يفرقون بين نهوض مصر وهلاكها، مثلهم مثل المرأة التى خرجت لترقص أمام اللجان وزوجها (الهمام) هو من يصورها وينشر «الفيديو» على العالمين، وكالتى أقسمت بعشقها للزعيم فى حضور زوجها كذلك، وكالتى وهبت نفسها له وهى تدعى الشرف وأصالة المعدن. وفى المجمل فإن مصر التى يدّعون وصلها وحبها هى التى أدموها وهتكوها وجعلوها رمزًا للتردى والسقوط..

إن مصر الحقيقية -الوطن والأرض- لم ترغم ولن ترغم أحدًا على تأييد أحد، وهى لا تعرف الدعاية الكاذبة وفرط الكلام، إنما يرضيها الفعل وصدق الجنان، مصر الحقيقية هى التى تحنو على أبنائها وتجمع شتاتهم، وتحتفى بالأنظمة الوطنية لا العدائية، مصر الحقيقية لا تعرف الشواذ الذين يشتهون العبودية ويعشقون القيود، خصوصًا أن الكل يعلم أن ما يجرى هو تجريف لهويتها واستنزاف لمقدراتها، وتضييع لبنيها وسلوك منحرف لا يعرفه الأسوياء.

فمن يعمل لأجل مصر الآن يجب أن يمنع هذا التدليس، ويعرِّف من لا يعرفون بالحقائق، وأن يكشف سوءات هذا النظام الفاجر؛ بفضح مظالمه، ونشر خطاياه ومخازيه، والدعوة لإسقاطه وإنقاذ البلاد والعباد من جرائمه وشروره التى طالت الماء والهواء، وطفح فساده على البر والبحر.

————
المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي “الحرية والعدالة” وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم