لا يختلف اثنان على أن ما نعانيه من تخلف وعوز سببه الاستبداد، وهو منظومة تشمل المستبدين والمستبَد بهم، وهو بلاء معاد للفطرة، يخرب العمران ويكرّس الجهل وسوء الحال. والبعض يلقى اللوم على المستبدين وحدهم فى ضياع أوطانهم وفقر وانهيار شعوبهم، لكن الحق أن المستبد ما صار مستبدًا إلا بحمق مواطنيه وانبطاح شعبه..

وتبدو هذه المنظومة واضحة فى أمتنا العربية، بدولها كافة؛ ما جعلها فى ذيل الدول حضاريًا، تتقدم شعوب المعمورة فى انعدام الحرية والكرامة والعيش والتعليم.. إلخ، رغم ما حباها الله من جغرافية وتاريخ وعوامل حضارية تفوق بها سائر الدول. فعلى رأس كل دولة من دولنا ملك مقدس أو رئيس فرعون، يحكم بهواه ويعادى الحق، ويسعى إلى المجد الزائف، وقد ركِّب فيه كبر وعناد جعلاه منفردًا بالرأى لا يقبل رأيًا آخر.
والأمم المتحضرة لا تقاد بهذا الغباء، إنما تقاد بعقول وعاطفة أبنائها الأسوياء، الذين لا يعطون لأنفسهم القدسية والتبجيل التى يطلقها على أنفسهم هؤلاء المرضى النفسيون الذين لا يختلفون شيئًا عن المحتل؛ فى السعى لمصلحته، ونهب خيرات الآخرين، والتسلط على غيره، بشريعة الغاب ومنطق العنف والقوة، مفترضًا فى صاحب الحق المهانة والضعف والاستسلام والسلبية. وهذا منطق فرعون اللعين، وهو رمز الجهل والتعصب، والطغيان والغباء، وقد جعله الله مثلاً فى كتابه، ذامًا إياه على هذا الفساد المبين، قال الله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4]، وقد نتج عن هذه الصفة الذميمة (الغشم) احتقاره للخصم، والاستخفاف به، وهو عين ما يجرى مع شعوبنا؛ إذ يأتى الاستخفاف بتلك الشعوب عقب استخدام العنف ضدها؛ فإن استكانت ولم تقاوم، ورضخت لنزواته واضطراباته بالغ فى احتقارهم والاستخفاف بهم، واعتبرهم ملكًا من أملاكه وإرثًا من ميراثه، هكذا كان معتقد فرعون (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51]..
ورغم أن المستبدين جبناء أقحاح، خائفون على الدوام، لا ينامون الليل، ولا يهنئون بعيش، يحسبون كل صيحة عليهم – فإنهم لا يتـوقفـون عن ممارسة استبدادهـم وطـغـيانهـم؛ بـسبــب ما يلمسونه من رضى شعوبهم بتلك الممارسات الشاذة، واستكانتهم لأشكال الذل والاحتقار، فيتحول المستبد إلى (شبه إله) لا يرى غير نفسه، كأن الدنيا خالية إلا من شخصه ومرآته، ولسان حاله يقول (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29]، وهذا عينه ما جرى لفرعون الأمة، وقد تطورت حالته حتى وصلت لهذه المرحلة من النرجسية، قال الله: (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ) [غافر:37]..
إذًا الشعوب تشارك المستبدين جريمتهم الكبرى، بصمتهم وعدم إنكارهم، وبسلبيتهم والشح بالتضحية، وقد نهوا عن ذلك، شرعًا واجتماعًا، يقول الكواكبى فى ذلك: «العوام هم قوة المستبد، بهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويغرى بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته».. هو إذًا الجهل وعدم الوعى، والخوف لقلة الإيمان، والأثرة وعدم الإيثار، والإعراض عما أمر الله ونهى فكانت النتيجة: اتباع الباطل رغبًا ورهبًا، قال الله: (فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود:97]..
لا نعجب إذًا مما سقطنا فيه من مستنقعات الفقر والجهل والمرض، والفساد والفسق والرذيلة؛ فتلك أخلاق المستبدين، الذين يشيعون أيضًا الكذب والنفاق والخداع (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) [طه: 79]، (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) [الفجر:11،12]؛ فهم لذلك يعادون أهل العلم والدعاة المخلصين، ويستعينون فى المقابل ببطانة سوء من بينهم علماء دين منافقون تاجروا بعلمهم الذى لا يتجاوز ألسنتهم فسحروا به العامة وفتنوا به الناس، لا يختلفون فى ذلك عن تلك الفئة الضالة من إعلاميى اليوم الذين باعوا كل ما لديهم من دين وضمير وإنسانية ومروءة حتى أغروا حكامهم بشعوبهم فأفرغوا ساديتهم على الأطـهار، وجاثـوا خـلال الـديار، ولـولا مجاهـدون يقفـون لـهم بالمـرصـاد لنـطـقوا بما نـطق بـه الـفرعـون الـغـريق إذ قال (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات :24]، وقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38] إننا لا نبرئ شعوبنا مما حل بها على أيدى هؤلاء الأغبياء، وفى ديننا لمن ارتضاه شرعًا ودستورًا الخبر، قال النبى صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: أعاذك الله من إمارة السفهاء يا كعب، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدى لا يهتدون بهديى ولا يستنون بسنتى، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منى ولست منهم ولا يردون حوضى، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك منى وأنا منهم وسيردون حوضى» [أحمد]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت أمتى تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم» [مسلم].

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم