كان دم الرجل الأربعيني مسفوكاً على رمل الشاطئ، حين سقط صريع حماية زوجته من التحرّش، وكانت جثتا طفلين طافيتين على مياه الترعة، حين أسندت الشرطة جريمة قتلهما إلى الوالد، فيما لم يتوقف جريان الدماء، منذ ذلك اليوم الأغبر في تاريخ مصر 30 يونيو 2013، بعد أن اعتمد النظام الجديد القتل مصدرًا للسلطة.

كم مّرة سمعت مذيعًا على شاشة مصرية يصرخ منتشياً “أنا عايز دم، أنا عايز جثث، مفيش قانون، مفيش محاكمات”.

لا يُحصى عدد المرّات التي أعلنوا فيها الحفاوة بالمقتلة المنصوبة، والمباهاة بالقدرة على إنهاء حياة من يقف في طريق جريمة العصر، ومحاولة تصوير الأمر وكأن المصريين شعبٌ من المتوحشين، يحترمون القتلة، ويقفون لهم إجلالًا.

حين زار النائبان الأميركيان، جون ماكين وليندساي غراهام، القاهرة في الأسبوع الأول من أغسطس 2013، في محاولة لإيقاف ماكينة القتل التي أطلقها الجنرال عبد الفتاح السيسي خرجا بنتيجة واحدة، مضمونُها أن هذا النظام اتخذ القتل أسلوبا للبقاء في السلطة، يستوي في ذلك جنرالات دمويون، ومثقفون طالما تغنّوا بالحرية والليبرالية، من نوعية منظّر اقتصاد العولمة، حازم الببلاوي، الذي عينه السيسي رئيسًا لوزراء السلطة الانقلابية في تلك الأيام.

يروي النائبان، ماكين وغراهام، في حديث إلى”نيويورك تايمز”، عقب زيارتهما الأولى القاهرة أن سلطة السيسي كانت حريصةً على قطع الطريق أمام أي محاولةٍ لتفادي المجازر الدموية (التي أتت فيما بعد مجزرتي ميداني رابعة العدوية والنهضة).

يقول غراهام، في المقابلة التي ترجمتها الصحف المصرية: “كان رئيس الوزراء كارثة، استمر فى توجيه الوعظ لي، وقال لي: أنت لا تستطيع التفاوض مع هؤلاء الناس، كان بإمكانهم الخروج من الشوارع، واحترام سيادة القانون، فقلت له: السيد رئيس الوزراء، من الصعب جدا أن تحاضر أي شخص عن حكم القانون. كم عدد الأصوات التى حصلت عليها؟ أوه، نعم، لم يكن لديك انتخابات”.

ويضيف “كان الاجتماع مع رئيس الوزراء (حازم الببلاوى) أكثر توتّرا، فعند خروجهم قال (غراهام) لماكين: “إذا كان صوت هذا الشخص دلالة على السلوك، فلا يوجد مخرج من هذا الأمر”.

في هذا العام 2018، ومع الذكرى الخامسة لمذبحة القرن في رابعة العدوية، يطرأ جديد على السردية الرسمية للجريمة، يروّجه النظام بأقلام جيش الكتبة الدمويين، يتقدّمهم أحد فرسان التطبيع المبكر، عبد المنعم سعيد، فينتقل بالمسألة إلى مرحلة أخطر، حين يحاول تصوير جريمة ميدان رابعة العدوية، بوصفها المذبحة التي ارتكبها الشعب المصري، بكل سعادة ورضا، ضد قطاع من الشعب المصري.

هنا المحاولة الشرّيرة لتقديم المصريين باعتبارهم شعبًا من القتلة والمتوحشين، حبًا في الوطن وحفاظًا على هويته، فيقول نصًا “كان قرار فض رابعة قرارا شعبيا فى الأساس، بدأ بالثورة فى 30 يونيو التى أطاحت في النهاية بحكم الإخوان، ولكن فض رابعة كان له تفويض خاص من الأغلبية الساحقة من المصريين فى 26 يوليو 2013”.

ثم يشرح بفقرة أخرى في مقاله بصحيفة الأهرام “قرار فض رابعة لم يكن فقط نتيجة إرادة الشعب كما جرى فى 26 يوليو، وإنما من مؤسسات الدولة من الرئيس المؤقت، عدلي منصور، وحتى الوزارة القائمة التي ترأسها الدكتور حازم الببلاوي، وجبهة الإنقاذ، والعديد من الأحزاب السياسية”.

بوضوح شديد، يقول النظام للمصريين: أنتم شركاء في المقتلة، وجريمة رابعة العدوية كانت اختيارًا شعبيًا، لا قرارًا سلطوياً، أو تحريضًا نخبويًا.

يفعل ذلك مدفوعًا بهاجسين، الأول: تنامي مشاعر الندم على الدم الذي أريق وما زال يُراق، وإدراك الناس أن لعنة الدم حلت، فأوجدت فقرًا وخرابًا، لا تكفي لإخفاء مظاهرهما كل الأرقام والبيانات الحكومية الكاذبة.

أما الهاجس الآخر، والأخطر، فهو الرعب من أي محاولةٍ للالتقاء الإنساني، قبل السياسي، بمواجهة سلطةٍ حولت المجتمع المصري إلى غابة مفتوحة، ترتع فيها قطعان التوحش والبذاءة والرداءة.

باختصار، يريد معسكر أوغاد نظام السيسي أن يقول: نقتلكم بأيديكم، استجابة لرغباتكم، فلا تفكّروا في أي شكل من الاصطفاف الإنساني.

——–
نقلا عن “العربي الجديد”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم