“اليأس والفقر وغياب ضعف الوازع الديني” أحد أسباب أدت إلى ارتفاع معدلات الانتحار في مصر الأعوام الأخيرة، حيث يقدم حوالي 3000 شخص على الانتحار سنويا لمن هم أقل من 40 عاما، بحسب تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية، وتحديدا من بعد انقلاب السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013.

وزارة الصحة في حكومة الانقلاب تقول أنه ليس لديها أي أرقام بشان حالات الانتحار وتتعامل معها كحوادث عادية مثلها مثل حوادث الطرق، كما أن هناك صعوبة شديدة في تحديد أرقام حالات الانتحار، لأن أهل الشخص المنتحر يرفضون الإعلان عن ذلك، وبالتالي لا يتم توثيق أغلب الحالات”.

ورغم الحكم الشرعي بحرمة الانتحار شرعا، وأن المنتحر يدخل في حكم الكافر، وأنه يائس من رحمة الله، إلا أنه توجد دوافع نفسية واقتصادية، مع الضعف والوهن يجعل الفكرة تسيطر على مرتكبها، ففي لحظة يخسر حياته ودينه، وأثير جدل واسع عقب تصريحات المتحدث الرسمي باسم شركة مترو الأنفاق أحمد عبد الهادي، وتعليقه على حالات الانتحار المتزايدة التي شهدتها محطات المترو مؤخرا، والتي كان أخرها بالأمس لمواطن يعمل موظفا بالشركة المصرية للاتصالات.

انتحروا بعيد!

كان “عبد الهادي” قد قال في تصريحات صحفية له، تعليقا على الحادث أن المترو يجب ألا يكون وجهة للمرضى النفسيين والراغبين في الانتحار، حتى لا يتسبب في تعطل حياة الملايين من المواطنين، وشدد المتحدث باسم الهيئة، على أن مترو الأنفاق يعتبر من أكثر المرافق حيوية بالجمهورية حيث يستقبل الملايين يوميًا يعتمدون عليه في تحركاتهم طوال الوقت.

وأثارت تصريحات المتحدث باسم شركة مترو الأنفاق، جدلا واسعا بين النشطاء وتنوعت ردودهم بين الهجوم على الحكومة والسخرية، وبحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية حاول رجل يدعى “ت.ع.خ”، يبلغ من العمر نحو 41 عاما، ويعمل موظفا بالشركة المصرية للاتصالات، الانتحار داخل محطة مترو جمال عبد الناصر، بإلقاء نفسه أمام المترو، قبل إصداره بيان بالواقعة بساعة، أي تقريبا في الواحدة والنصف ظهرا.

وأوضحت هيئة مترو الأنفاق في بيان لها، أن الشخص كان يقف على رصيف القطار القادم من محطة حلوان متجهًا إلى المرج، كأي راكب عادي، وفور رؤيته للقطار ألقى بنفسه أمامه، ولكنه لم يتمكن من الانتحار ومر المترو على قدمه اليمنى فقط والتي بترت بسبب ذلك.

وأكدت مراقبة كل محطات مترو الأنفاق بأحدث الأنظمة التكنولوجية عالية الجودة، والتي مكنت من رصد الواقعة بتفاصيل ودقة، مشيرا إلى أن الهيئة قدمت بلاغا بالواقعة وتتولى النيابة التحقيق فيها.

وطالب الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، سلطات الانقلاب بالاهتمام وعمل المراجعات اللازمة، للوصول لحل مشكلة زيادة حوادث الانتحار.

وأضاف المهدي، أنه يجب دراسة أسباب زيادة حوادث الانتحار، مشيرًا إلى أن مصر كانت ضمن النسب الآمنة المعروفة بحزام الأمان لحوادث الانتحار حتى عام 2005، وكانت نسبة الانتحار أقل من 10 لكل 100 ألف مواطن، وأوضح أن نسبة الانتحار زادت في مصر، وأن مصر خرجت من حزام الأمان لحوادث الانتحار، ووصلت لحزام “الخطر العالمي للانتحار”.

الرجال الأكثر انتحارا

ورصدت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، استمرار وتيرة حالات الانتحار في التصاعد، التي وصلت إلى 170 حالة انتحار وقعت بالفعل، هذا بخلاف الحالات التي كانت عبارة عن محاولات انتحار فقط، وتم إنقاذها، وكان الرجل هو صاحب العدد الأكبر في حالات الانتحار، حيث بلغ عدد حالات الإناث 32 حالة فقط بنسبة 18.82%، بينما بلغ عدد حالات الرجال 138بنسبة 81.17%، كما بلغت النسبة الأكبر لحالات الانتحار في شريحة الشباب والمنحصرة في الفئة العمرية ما بين (18: 35) حيث بلغت 89 حالة بنسبة 52.35%.

وجاء في المرتبة الأولى 39 حالة انتحار لمواطنين غير معلوم مهنتهم، وبلغ عدد حالات الانتحار في الطلاب 36 حالة موزعين علي الأعمار السنية المختلفة وبنسبة 21.17%،و في العمال أيضا بلغت عدد حالات الانتحار 36 حالة بنسبة 21.17% ، وهو ما يعني أن فقدان الأمل وعدم الرغبة في مواجهة الصعوبات وكثرة أزمات الحياة.

وجاء في المرتبة الثانية ربة المنزل، والرجل بالمعاش، وكذلك 2 أمين شرطة و1 رقيب شرطة و4 مساجين و2 من الخفراء، وبلغ عدد الحالات هنا 30 حالة بنسبة 17.64%، تلتها فئة “العاطل” وهو أمر طبيعي نظرا لضعف دخله وكثرة الضوائق المالية ومن ثم المشكلات الأسرية المترتبة عليها وبلغ العدد هنا 14 حالة بنسبة 48.2%، ثم جاء بعد ذلك فئة “الموظف” وذلك بعدد 10 حالات بنسبة5.88%.

وجاءت فئة “المهني” مثل الطبيب والمهندس والمحامي والمدرس حيث بلغت 5 حالات بنسبة 2.94%، وتنوعت الأسباب المؤدية للانتحار بحيث شملت أسباب نفسية واجتماعية، وأسباب وضوائق مادية، وجاء في المرتبة الأولي الأسباب النفسية حيث بلغت 55 حالة 32.35%، وهي عادة تعني اكتئاب وضيق نفسي وغضب عارم، جاء بعدها الأسباب الاجتماعية بعدد 45 حالة بنسبة 26.47% وتنوعت ما بين خلافات ونزاعات أسرية، ومشكلات تعليم وخوف وفصل من الدراسة، وكذلك شجارات ونزاعات زوجية.

الفقر والغلاء

جاءت الضوائق المادية والمشكلات الاقتصادية المباشرة في المرتبة الثالثة من الأسباب لما يعادل 36 حالة بنسبة 21.17%، ثم أسباب غر معلومة بعدد 26 حالة بنسبة 15.29%، كما انتحر8 أشخاص بنسبة 5.09% لأسباب تتعلق بالأداء الحكومي؛ حيث انتحر شخص لرفض المحافظ مقابلته، وآخر لشكوته من ظلم مسئولية وعدم قدرته الحصول علي حق، وكذلك انتحر4 مسجونين جنائيين.

دكتور هشام بحري، رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر، قال إن على رأس أسباب الانتحار في مصر ضغوط الأعباء المالية، وضيق الحال، من مرض وفقر وجوع، ولفت إلى أن “مصر يوجد فيها نحو 900 ألف مواطن مقبل على الانتحار، خلال الفترة المقبلة، بسبب إصابة عدد كبير منهم بالاكتئاب العقلي، حيث إن نسبة الانتحار فيه أكثر من انتحار الإنسان الطبيعي”.

وأكدت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية أن حالات الانتحار في مصر، منذ عام 2009، في تزايد مستمر، حيث بلغ عدد محاولات الانتحار في عام واحد نحو 104 آلاف حالة، منهم خمسة آلاف شخص أنهوا حياتهم، مشيرة إلى أن أغلب أسباب المنتحرين ترجع لظروف اقتصادية، وعدم القدرة على مواكبة ظروف الحياة المادية.

وقال الدكتور أحمد عبد الله مدرس الطب النفسي: “كل أسباب الانتحار موجودة في مصر، فالانتحار هو نوع من أنواع العنف، لكنه موجه ضد النفس، وقد يرجع لأسباب بيولوجية ونفسية واجتماعية، بداية من التلوث مرورا بالضوائق الاقتصادية، ووصولا إلى القمع وكبت الحريات”.

وأشار إلى أنه لا توجد حالة انتحار لها سبب واحد، وزاد من تلك الأسباب في الفترة الأخيرة الإحباط الشديد عند الشباب، بسبب ركود الاقتصاد وتعثر الحياة السياسية، وغموض المستقبل وصعوبة الزواج، هذا فضلا عن المشاكل الأسرية والخواء الثقافي والديني، وتعاني مصر من تمتع طبقة اجتماعية بحجم هائل من الثروة والسلطة، بينما يعاني أغلبية المصريين من الفقر والقهر لفترات طويلة.”

رابط دائم