أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثامن من مايو، عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة العمل بالعقوبات التي كانت مفروضة على طهران، وأوضح في خطابه أن “الاتفاق لم يضمن الحد من نشاطات إيران الخبيثة”.

تبكير موعد الانسحاب جاء صدمة لـ”المرونة” التي كان يبديها ترامب أمام الأوروبيين من أجل التوصل لمخرج يوسع الاتفاق بدلا من إلغائه، بل وبدا صادما لأطراف داخلية، منهم بعض الجمهوريين في الكونجرس وبعض كبار المحافظين، وبعض أركان الإدارة مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس.

ودمج ترامب في كلمته بين عدة أمور: دعم إيران لجماعات مسلحة والإرهاب في المنطقة، وامتلاك إيران لصواريخ بالستية، وتعاظم نفوذ إيران الإقليمي، والاتفاق النووي مع الغرب، بما يعني أن جوهر الكلمة ليس الملف النووي أو ضرورة إعادة التفاوض عليه، إنما موقع وسياسات إيران في معادلات الشرق الأوسط.

وبحسب مراقبين، جاء قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق بلا خطة بديلة، وأن أدائه أقرب للأداء المسرحي وليس السياسي، الذي يتم وفق خطط وخيارات، لكن لم تخلُ قراءة هذا التطور دون ربطه بمجيء جون بولتون ومايك بومبيو لفريق ترامب الرئاسي، لتصبح هناك جبهة لا تتردد في خلق أزمة مع الخارج.

هل ستترك إيران الاتفاق؟

جاء رد الفعل الإيراني هادئا بعض الشيء، ومن الرسائل التي حملتها كلمة روحاني، كانت طمأنة الإيرانيين فيما يخص الوضع الاقتصادي، وتأكيد استمرار التزام بلاده بالاتفاق الذي كان يعتبره النظام الإنجاز الوحيد خلال الأعوام الخمسة الماضية.

وأشرفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مرحلة التطبيق العملي للاتفاق، وأصدرت 11 تقريرا جاء فيها أن إيران التزمت بتعهداتها، وأصدرت اللجنة المشرفة على تطبيق الاتفاق في الداخل الإيراني التي تعرض تقارير دورية، يؤكد غالبيتها وجود خلل في التطبيق من قبل الأطراف الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة المتهمة بعرقلة فتح علاقات اقتصادية بين إيران والعالم، وانتقدت أيضا عدم مساعدة الأوروبيين في وصل طهران بالنظام المالي الدولي، وعدم استئناف العلاقات المصرفية معها كما كان مفترضاً.

ومن المتوقع أن يتسبب القرار الأمريكي في شل حركة البنك المركزي الإيراني، وحظر التعامل مع الشركات التابعة للحرس الثوري، مع توقعات بتدهور سعر صرف العملة الإيرانية، خاصة وأنه لا يزال تأثير الأوضاع الداخلية في إيران قائمًا إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد في محافظات عدة.

فقد شهدت السوق الإيرانية تقلبات عنيفة في سعر الصرف الأشهر الماضية، ما أثر على أصحاب المدخرات الذين سعوا لتحويل مدخراتهم للدولار، وعملت الحكومة الإيرانية على تحويل كافة تعاملاتها لليورو، من أجل تفادي سيطرة السلطات المالية الأمريكية على حركة تعاملات إيران الدولية، ولعمل ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة عبر دعم دعوات عدم سيطرة الدولار على الحركة المالية الدولية، وقد تتوجه إيران إلى عملات أخرى بجوار اليورو، كاليوان الصيني، مما قد يساهم في توطيد علاقتها بالصين.

من ناحية أخرى، يمكن أن تستفيد إيران أيضا من ارتفاع أسعار النفط كدولة من الدول الكبرى المصدرة للنفط، لكنها ستلجأ لسياسة تسمى “النفط الرخيص” عن طريق عرض النفط بسعر أقل من السعر العالمي، من أجل إغراء الدول المستوردة التي لا تريد الإضرار باقتصاداتها، وهو ما قد يجعل بعض الدول تطلب استثناءات من العقوبات الاقتصادية على إيران، يضاف إلى هذا، أن العقوبات المزمع فرضها على إيران ستصبح سارية المفعول خلال ستة أشهر فقط، ما يقلل تأثير العقوبات على الأقل في المدى القريب.

وبهذا ستحقق سياسة النفط الرخيص لإيران أكثر من ميزة، أولها كسر حصار العقوبات الاقتصادية عليها، والحفاظ على وجود حلفاء لها في مواجهة أمريكا، والحصول على احتياجاتها من الدول التي تحظى بعرض النفط الرخيص، ما يقلل مهمة تدبير عملات صعبة.

لذا يرى تحليل لمركز كارنيجي أن العقوبات هي مجرد أداة، وليست الأساس؛ فحتى إن تباطأت وتيرة التقدم النووي الإيراني خلال أعوام المفاوضات، لكنها لم تتوقف بشكل نهائي.

ووضع تحليل لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى خيارات أمام الإدارة الأمريكية للتعامل مع الوضع الجديد:

–        أن يسعى ترامب لإبرام اتفاق جديد لتصحيح الاتفاق الأصلي، عبر وضع قيود دائمة على التخصيب، وفرض حظر على تطوير الصواريخ الباليستية واعتماد نظام تفتيش أكثر قوة، وتقييد أنشطة إيران بالمنطقة، وهذا يعني الحاجة لورقة ضغط قوية تجبر إيران على العودة لطاولة المفاوضات، فهذا الخيار يضمن لترامب تقليل الفجوة مع دول أوروبا.

–        اللجوء لخيار تغيير النظام الإيراني، وهذا يتطلب العمل على تقييم النظام عبر إبراز فساده، والتأكيد على أن مساعي إيران الإقليمية ستشكل خطرا على المصالح الأمريكية، أو عن طريق المراهنة على أن الحرب الاقتصادية ستدفع الشعب الإيراني للخروج على النظام.

وتسبب تعهد ترامب بالسعي لتغيير النظام في تجنب الانقسامات بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، والتضامن في مواجهة تداعيات عودة العقوبات وتشديدها، والعمل على دفع أطراف دولية مثل الصين وروسيا للتوسط في مفاوضات مع الولايات المتحدة، كمحاولة للتوصل لاتفاق جديد حول البرنامج النووي.

لكن إذا نظرنا إلى هدف تغيير النظام الذي تنشده الولايات المتحدة، يجب العودة إلى أن الحصار الأمريكي على كوبا لأكثر من 50 عاماً لم يغير نظام كاسترو والأسس التي قام عليها، وأن أكثر من 60 سنة من العقوبات المتصاعدة على نظام كوريا الشمالية، لم تمنعه من الحصول على ترسانة نووية قابلة للاستخدام. حتى وإن سقط نظام الملالي في إيران، فإنه استنادا لما حدث في دول أخرى، من الصعب أن تظل البلاد مستقرة وداعمة للولايات المتحدة.

–        اتباع استراتيجية الانكماش في الشرق الأوسط عبر تقليص الاحتكاك الأمريكي مع قضايا المنطقة، وربما هذا ما كان يبتغيه أوباما حين سعى للاتفاق، لكن هذا لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من بيع الأسلحة لشركائها الإقليميين.

إذا وجدت إيران نفسها وحيدة في ظل عزل الأطراف الأخرى المتعاونة معها، ستبدأ في خرق العقوبات المفروضة عليها بخصوص تخصيب اليورانيوم وإعادة تفعيل البرنامج، وطرد المفتشين الدوليين، الذين توفرت لديهم المساحة الكافية لمراقبة أنشطتها النووية.

وستبدأ في التصعيد في مناطق النزاع، وذلك كما حدث حينما أطلقت حوالي ثلاثين قذيفة من الأراضي السورية على مواقع عسكرية إسرائيلية على طول مرتفعات الجولان، ما اعتبره جيش الدفاع الإسرائيلي قذائف إيرانية، وكان رد الجيش الإسرائيلي عبارة عن غارات جوية وهجمات صاروخية على ستين منشأة للاستخبارات العسكرية الإيرانية، وأهداف لوجستية في سوريا.

فترى تحليلات أن إسرائيل وإيران تسيران نحو تصادم في المستقبل، خاصة وأن الحرس الثوري الإيراني مصمم على تحويل سوريا إلى منصة حرب مستقبلية ضد إسرائيل.

أما على الصعيد الداخلي الإيراني، فكما سبق الذكر أن هناك محاولات لتجاوز الخلافات بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، فرغم رغبة المتشددين لتحجيم حركة الإصلاحيين، لكن استناد الإصلاحيين لقاعدة شعبية قوية بعد نجاحه في التخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية، يجعل المتشددين يتراجعون قليلا عن توجيه ضربات للإصلاحيين، والعمل على الحيلولة دون اختراق جبهة الحكم، خاصة وأن هناك العديد من الأطراف الخارجية تعادي إيران، بالإضافة لتواجد إيران الخارجي في العراق واليمن وسوريا.

من هذا المنطلق التوافقي، سيعيد المرشد الإيراني فكرة “الشيطان الأكبر” التي تم طرحها منذ الثورة الإسلامية، وأن الولايات المتحدة طرف لا يمكن الوثوق به وينقد العهود، وسيعمل بهذا على إثبات وجهة نظر القيادة تجاه من يريد الانفتاح على الغرب.

الاتفاق النووي لم يتأسس على سياسة خارجية وأمنية متماسكة، إنما على تطلعات سياسية منفصلة عن الواقع الإقليمي الذي كان من المفترض أن يشهد تطبيق الاتفاق.

ورغم أن ترامب لم يمتلك خطة بديلة واضحة، يتضح أنه يريد الظهور بقراره بالانسحاب من الاتفاق النووي أن جزءا كبيرا مما وعد به خلال حملته الانتخابية على المستوى الخارجي حدث بالفعل، مثل إعادة النظر في العلاقات التجارية الخارجية للولايات المتحدة، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ونقل السفارة الأمريكية للقدس.

انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لا يستند على رغبة في منع إيران من تصنيع أسلحة نووية، أو التصدي لأنشطة إيران الإقليمية كدعمها لنظام بشار الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان، لأنه لو كانت هذه هي الأهداف، فمن المفترض ألا ينسحب. فما يفعله ترامب هو الرغبة في إبقاء إيران في خانة العقوبة، ومنعها من إقامة علاقات مع العالم الخارجي، وجعلها منبوذة. بما يمهد الطريق لفكرة تغيير النظام التي ينشدها هو وفريقه، وذلك عبر طريقين: زيادة الضغط الاقتصادي على طهران على أمل ازدياد السخط الشعبي، ومن ثم انهيار النظام الديني. والطريق الثاني يتمثل في استفزاز إيران والدفع بها لاستئناف برنامجها النووي، الأمر الذي من شأنه أن يمنح واشنطن ذريعة لشن حرب وقائية.

الأمور تتحرك بمنحى أكثر تصعيدا مع طهران، وسيكون بانتظارها المزيد من العقوبات الأمريكية، ومشاريع قرارات دولية سيبحثها مجلس الأمن حول برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي وخاصة في سوريا واليمن.

إذا كانت إيران تعول على شريكيها الروسي والصيني وعلى من استفادوا من الاتفاق النووي اقتصاديا في التخفيف من وطأة العقوبات، فهل يعني هذا الاستعداد الكافي لاحتمالية نشوب حرب بسبب قرار يراه محللون بأنه الأخطر؟، خاصة وأن الشعب الإيراني يرى السعودية وقد جُهزت بأسلحة متقدمة، وتحظى بدعم دول سنية أخرى، بالإضافة لانضمام إسرائيل للتحالف المعادي لإيران.

إذا أصرت إيران على التزامها بالاتفاق، حتى مع التزام الدول الخمس الأخرى وصمودها أمام التهديدات الأمريكية، فلن تستطيع الدول الأوروبية منع واشنطن من الالتفاف على قرار منع العقوبات، لذا يعد الرهان على الالتزام الأوروبي غير واقعي.

رابط دائم