حالة من الذهول تسود الأوساط المصرية مؤخرا على خلفية تفشي الجرائم الشاذة وشديدة الغرابة داخل الأسر المصرية، فخلال عيد الأضحى الماضي وقعت 5 حوادث مأساوية، معظمها يتعلق بقتل آباء وأمهات لأطفالهم، حيث عثر على جثتي طفلين شقيقين من مدينة سلسبيل بمحافظة الدقهلية، وسط روايات متضاربة وفيديو بثّته وزارة الداخلية حول اعتراف والد الطفلين بقتل ابنيه. وهذه أم تتخلص من أطفالها بإلقائهم في ترعة بالمنيا، كما تزايدت معدلات التحرش بصورة سافرة، حتى إن أحد المتحرشين بالإسكندرية قتل زوجا لدفاعه عن زوجته وسط ذهول واندهاش من الجميع حول تردي الأخلاق بصورة غير مسبوقة، ما ينذر بكوارث لها انعكاسات شديدة الخطورة على مستقبل البلاد.

في هذا الإطار، يؤكد خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد في مصر، أن العامل الاقتصادي يعد من أهم أسباب ارتفاع معدلات الجريمة في شوارع البلاد، لا سيما أن ارتفاع الأسعار يأخذ منحىً تصاعديا حادا، ما سيؤدي إلى كوارث خلال السنوات المقبلة، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وبالتالي عدم القدرة على الزواج. وهذه كلها أسباب، بحسب تعبيرهم، تدفع بالشخص إلى الإقدام على الجريمة من دون إدراك لعواقبها. ويصفونها بـ “الجرائم الخطيرة التي تنهش جسم المجتمع المصري”.

النفاق ومعدلات الجريمة

ويقول الدكتور محمود خليل، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة: «لا الآباء أصبحوا آباء، ولا الأبناء أمسوا أبناء، ولا الأخلاق عادت أخلاقا. جرائم شديدة الغرابة والشذوذ تضرب المجتمع المصري في الآونة الأخيرة. هي في النهاية جرائم آحاد لا نستطيع أن نقول إنها تشكل ظاهرة، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات شديدة الخطورة على مستقبل هذا المجتمع».

ويحذر- في مقال له بعنوان «الأخلاق والنفاق والجريمة» بصحيفة الوطن- من هذا قائلا: «دعونا نتصالح بداية مع فكرة أن ترنح الأخلاق تظهر تداعياته أول ما تظهر فى الأجواء الاجتماعية، لتزحف بعد ذلك إلى مساحات أكبر، ويظهر صداها فى دوائر أوسع اقتصادية وسياسية».

خليل يعزو أسباب هذه الجرائم إلى موت الإحساس «عندما يموت الإحساس داخل الإنسان يفقد أخلاقه. فالإحساس أصل الأخلاق والرافد الأهم لتغذيتها. عندما يفقد الأب مشاعر الأبوة، أو الأم مشاعر الأمومة، أو الابن مشاعر البنوة، أو المتحرش مشاعر النخوة، أو الظالم مشاعر العطف، أو القوى مشاعر التواضع وخفض الجناح للضعيف، عندما تضمحل هذه المشاعر داخل نفوس أصحابها تضيع الأخلاق».

السبب الثاني- بحسب الكاتب- هو تفشي النفاق، حيث يضيف «المشاعر تموت داخل النفوس عندما يسكنها النفاق. عندما يضرب النفاق مجتمعاً يتحول أناسه إلى مجموعة من الخشب المسندة. فأول درس يتعلمه المنافق أن يُنحي مشاعره وأحاسيسه نحو البشر الذين يتعامل معهم جانبا، فيداهنهم ويكذب عليهم ويمتدح حكمتهم فى وقت يعتبرهم فيه أهبل مَن خلَق الله، ويتغزل في رقتهم وهو الذى يراهم أفظاظا غلاظا. العلاقات الأسرية والاجتماعية والإنسانية التي يسودها النفاق ويسيطر عليها الكذب والمراوغة هى المقدمات الأولى لانهيار الأخلاق. المنافق صورة بلا عقل، وجسد بلا روح، وشكل بلا مضمون، قد يعجبك منظره، ويجذبك كلامه، لكنك لا تعلم أنه ينيم من حوله منتظرا اللحظة التي تصبح فيها الأجواء مناسبة ليظهر شيطانه ليعيث فى الأرض فسادا ويهتك كل الأخلاق ويرتكب أبشع الجرائم».

العسكر وتخريب المجتمع

ويعتبر البعض تزايد معدلات حوادث قتل الأبناء والتحرش والقتل والعنف في المشاجرات والحياة اليومية دليلا على فشل الخطاب الديني الذي يقدمه إعلام وشيوخ السلطان التابعين للسيسي، والذي يضخم الصغائر ويتجاهل أو يقزم المشاكل الاجتماعية والأخلاقية الكبيرة، كما تعد دليلا على فشل الفن وأعمال الدراما في تقديم أعمال فنية تعالج الخلل في بنية المجتمع، بل إن الدراما متهمة بتعزيز سلوكيات العنف عبر الأعمال التي تدور حول البلطجة، وتكثف مشاهد القتل والعنف والعري والتحرش، وهو ما انعكس على المجتمع وأفضى إلى تفسخ وانحلال أخلاقي، وتزايد معدلات الجرائم بصورة مخيفة تهدد مستقبل البلاد وبينة وتماسك المجتمع.

لكن بعض المراقبين، يتهمون النظام العسكري بتوظيف هذه الحوادث لإلهاء الشعب عن القضايا الكبرى وكوارث النظام الذي فرط في التراب الوطني وباع جزيرتي “تيران وصنافير”، وفرط في حقوق مصر المائية بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم والذي شرعن عمليات سد النهضة التي تخالف القانون الدولي. فالمبالغة الإعلامية في تناول هذه الحوادث هو نوع من الإلهاء المقصود بحد ذاته لتضليل الشعب المصري، وصرف انتباهه عن كوارث الغلاء ولهيب الأسعار وحجم الديون الرهيب، وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد بصورة مخيفة.

ويرجح د. نايل الشافعي، الخبير المصري، أن الهدف من وراء نشر هذه الحوادث هو “لتخدير الشعب المصري، فمصر الأولى عالميا في الأمية والطلاق وفيروس سي والتلوث وحوادث الطرق، والثانية في التحرش وتصفح المواقع الإباحية، والأخيرة في التعليم ومستوى المعيشة، ومع هذا يتحدث الانقلابيون عن “مؤامرة خارجية على مصر” بينما هم المؤامرة!.

رابط دائم