تبدو العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والانقلاب في مصر تقوم على معادلة واضحة وهي النقد الإعلامي والحقوقي تقوم به المؤسسات الإعلامية والحقوقية، يقابله دعم خفي وعلني من الحكومات التي تقدم مصالحها على القيم الإنسانية والديمقراطية.

آخر هذه المواقف النشرة الحقوقية للاتحاد الأووربي (Euro Med Rights) والتي صدرت أمس الثلاثاء والتي تعبر عن “القلق العميق إزاء الموافقة على قانون يمنح حصانة لعسكريين رفيعي المستوى خدموا في الفترة من يونيو 2013 إلى يناير2016، بما فيهم مسؤولين حضروا مجازر رابعة والنهضة”.
وبحسب خبراء في القانون الدولي، فإن مشروع قانون تحصين كبار قادة الانقلاب باطل، ولا حصانة لمن يهدر القانون، والأصل أن المواطنين سواء أمام القانون، والجريمة إذا حدثت تظل جريمة تستدعي معاقبة مرتكبيها ولا تسقد بالتقادم أو بالقوانين التي تتحايل وتلتف على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وتشمل الفترة الذي تناولها مشروع القانون مجازر الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة و6 أكتوبر وعشرات المذابح الأخرى التي لم يتم الحقيق فيها حتى اليوم حتى يفلت الجناة من أصحاب الملابس الكاكي من جرائم الوحشية. اتساقا مع تصريحات الجنرال السيسي التي أكد فيها أنه لن يتم محاكمة ضابط على قتل متظاهرين مطلقا.

النشرة الحقوقية للاتحاد قالت إن المادة السادسة من القانون “محاولة واضحة للالتفاف على القانون الدولي”، حيث تنص على أن “يتمتع المخاطبون بأحكام هذا القانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية”.

وتضيف أن المادة 5 من القانون، التي تمنح ضباط الجيش الذين يختارهم السيسي حصانة من المتابعة القضائية عن أي أفعال ارتكبوها أثناء خدمتهم “تجسد السعي لحمايتهم من أي مساءلة قانونية”.

ويبقى الاتحاد الأوروبي حتى اليوم هو الجهة الوحيدة التي تنتقد السيسي ولكن البيانات النقدية تصدر من جهات غير ملزمة مثل البرلمان الأوروبي ولجان حقوقية أوروبية بينما دول الاتحاد نفسه متواطئة مع الانقلاب وتدعمه بأدوات التعذيب والأسلحة.

لكن حكومات بالاتحاد الأوروبي ليست على قدر من الفهم والنضج يدفعها إلى ربط مصالحها بالشعوب لا بالحكومات المستبدة، وكان آخر ذلك ما كشفت عنه تقارير صحفية فرنسية وإلمانية عن تورط شركات من الدولتين في منح نظام الانقلاب أسلحة ومعدات استخدمت في قمع الشعب المصري بعد انقلاب 30 يونيو 2013م.

وتثير مواقف الاتحاد الأوروبي كثيرا من الغضب بين شعوب المنطقة لدعمه للنظم الديكتاتورية والحكام المستبدين. فذاكرة الشعوب لا تنسى العدو والصديق ومن وقف معها في محنتها مع الاستبداد ومن دعم المستبد .

<iframe width=”560″ height=”315″ src=”https://www.youtube.com/embed/11c3dF4DQEM” frameborder=”0″ allow=”autoplay; encrypted-media” allowfullscreen></iframe>

دلالات القانون

مشروع القانون الذي ينتظر تصديق الجنرال السيسي، يمنح امتيازات واسعة لكبار القادة الذين يختارهم السيسي بنفسه، سواءعلى المستوى المادي من خلال جعلهم في درجة الوزراء في المرتبات والمعاشات حتى لو لم يتولى وزارة على الإطلاق، بخلاف ما يتحصل عليه هؤلاء من امتيازات أخرى من المؤسسة العسكرية أو من جهات أخرى، كما يمنحهم امتيازات ونفوذ واسع على المستوى السياسي والدبلوماسي بمنحهم حصانة دبلوماسية حال سفرهم إلى الخارج.

ومن أخطر مواد القانون المادة “5” التي تحصن قادة الانقلاب التي تنص على أنه “لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلاّ بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة”.

ومعني هذه المادة في القانون أنه لا يجوز محاسبة السيسي ولا جنرالاته على جرائم الانقلاب العسكري ولا قتل المعتصمين والمتظاهرين، ولا أي قرارات اقتصادية أو قضائية خطأ اتخذها السيسي، حتى 22 ديسمبر 2015 تاريخ افتتاح جلسات مجلس النواب الجديد، أو حتى بداية عام 2016، بل واعطاءهم حصانة دبلوماسية تحميهم من الملاحقة في محاكم اجنبية خارج مصر، واعتبارهم “وزراء”!

لكن السيسي يستهدف من القانون منع هؤلاء من ممارسة العمل السيسي حيث ينص مشروع القانون على أن هؤلاء مقابل حصولهم على هذه الامتيازات “رشوة” لا يحق لهم ممارسة العمل السياسي باعتبارهم على ذمة المؤسسة العسكرية مدى الحياة.

وبذلك يمهد الجنرال الأجواء لإجراء تعديلات دستورية تتيح له الحكم مدى الحياة في ظل إزالة العقبات التي تتعلق بطموح بعض القادة في الحكم فبنص مشروع القانون تم حرمان هؤلاء من ممارسة العمل السياسي إلا بإذن من الجنرال السيسي نفسه أو من المؤسسة العسكرية.

اعتراف بالجرائم

وكان المستشار أحمد مكي، وزير العدل الأسبقن قد علق على مشروع القانون مؤكدا أنه يعد اعترافا بمسؤولية قادة القوات المسلحة عن المذابح التي وقعت منذ الانقلاب العسكري.

وأضاف مكي في مداخلة هاتفية لقناة “مكملين”، أن القانون مخالف للدستور، والذي ينص على أن المواطنين سواء أمام القانون، والأعمال التي يخشاها قادة الجيش لا تسقط بالتقادم، مضيفا أن القضاء غير قادر على مساءلة قادة الانقلاب طالما استمر المجلس العسكري على رأس السلطة. وأوضح مكي أن استهداف القانون فترة تعطيل الدستور بعد الانقلاب يعد اعترافا صريحا بأن ما حدث انقلاب عسكري، مضيفا أن القانون يعتبر شرطا لتخلي الجيش عن السياسة.

 

رابط دائم