الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

قد كون صحيحًا إن اتجاه دونالد ترامب إلى التصعيد، حتى حافّة الهاوية، مع طهران، يأتي في سياق لعبته المفضلة مع الخليج المتخم بالأموال التي يعرف كيف يغترف منها، بأسهل مما يلعب الغولف. لكن المؤكد أن دونالد ترامب لا يذكر العربية السعودية، إلا وهو يتحدّث عن الأموال، التي ينبغي أن تدفعها صاغرة، لقاء الحفاظ على وجودها، واستمرار حكامها على عروشهم.. أو حين يتناول ما تعرف بصفقة القرن. بينما لا يأتي دونالد ترامب على ذكر إيران، إلا وهو يتحدث عن أمن الكيان الصهيوني وأمانه، من زاوية البرنامج النووي الإيراني، وسعي طهران إلى الوصول إلى تفوق تسليحي.

دع مشاعرك جانبًا، وقل من الأكثر مدعاة للإعجاب؟ نظام إيراني شيعي فارسي.. إلى آخر هذه التصنيفات، تختلف معه وترفض تورّطه في مستنقع الدم السوري، لكنه يمتلك رؤية حضارية وموقفًا وجوديًا واضحًا، يدافع بهما عن طموحه للمستقبل ووفائه للتاريخ؟ أم نظام سعودي سني عربي، يرى في نفسه خادمًا للحرمين الشريفين، لكنه يتلقى صفعاتٍ متواصلةً تخدش الكرامة من رئيس أميركي متعصب ضد الحقوق العربية والفلسطينية، على نحو يتفوّق به على اليمين الصهيوني المتطرّف؟

قل ما شئت في الشطط المذهبي الطائفي الذي يمارسه الإيرانيون، وسأقول أكثر مما تشاء في إن النظام الإيراني أراق دماء الشعب السوري، ولعب أسوأ الأدوار في الحرب على الثورة السورية، كما له إسهامه فيما جرى بالعراق والعراقيبن، ولا أستبعد معك أن يكون كل كلامه عن القدس وفلسطين من باب الإنشائيات البلاغية، دغدغًة لمشاعر المسلمين، لكنك لا يمكن أن تنكر أننا بصدد نظامٍ لا يزال يمتلك الحد الأدنى من الإحساس بالكرامة القومية، ولديه ما يمكن تسميتها “قضية وطنية”، هي محل احترام وتقدير.

إيران الآن تقف بمواجهة تحرّشات ذلك الأحمق الذي يجلس في البيت الأبيض، ممسكًا بمفاتيح قيادة العالم، مثل صبي نزق وموتور، إلى درجة الجنون، وجد نفسه فجأة يلهو بحقيبة نووية، ويمسك بمفاتيح الإدارة والتحكم والتشغيل لأضخم ترسانة سلاح، يهدّد بها الأقوياء، ويبتز الصغار المنفوخين أوهامًا وثروًة، إلى درجة إجبارهم على خلع ثياب الكرامة الوطنية في صمت.

إيران التي لست ممن ينكرون كراهيتها التاريخية العميقة العرب، أو يبرّئونها من تدمير العراق وذبح الثورة السورية، هي الوحيدة في منطقتنا التعيسة التي لا تزال تقول لواشنطن وتل أبيب:لا.. وتستفز مخاف الأميركيين والإسرائيليين، ولا ترتعد، أو تنهار راكعةً حين يحرّكون أساطيلهم البحرية والجوية لتخويفها.

حسنًا، ستقول إن ترامب يستخدمها فزّاعة كي يواصل حلب أموال السعودية. لا أستطيع أن أنفي أو أؤكد، لكني أستطيع أن أقول إن إيران امتلكت من القوة ما يجعلها صالحةً لإثارة الفزع، المدر للثروة الخليجية، سواء كان هذا المناخ، المفزع، مصنوعًا بالتواطؤ بين ترامب وطهران، أو طبيعيًا، وليد معدلات تنامي القوة وفوائضها.

في كل هذه المتاهة المظلمة التي تتخبّط فيها المنطقة العربية، من المهم أن تحاول أن تحتفظ بعقلك واعيًا وضميرك يقظًا، وهم يحاولون إقناعك بأن إيران، وليست إسرائيل، هي العدو، وأن أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وعشرات آخرين ممن تفخر بهم الأمم إرهابيون، ثم يتناغمون حد التطابق مع ما تنتجه آلة الخطاب الصهيوني، وهم يحسبون أنهم يصنعون الحداثة ويلتحقون بالعصر.

مرة أخرى: إيران، مثل تركيا، جارة للعرب، وجزء أصيل من المنطقة، لديهما طموح إمبراطوري، وقد تكون خصمًا حضاريًا ومنافسًا، لكن إيران وتركيا لا يمكن أن تصنفا “عدوين”. العدو هو إسرائيل، وكل من يصادقها ويتحالف معها، ويقمع شعبه ويقتله من أجلها.

سينتهي هذا الكابوس، ويُمحى كل هذا القبح، وتُطوى مرحلة الرئيس الأميركي الذي يتم استئجاره بالساعة واليوم، ووقتها سيتلفت العالم حوله فيجد أنظمة عاريةً من كل قيمة تاريخية ومعنى حضاري.. ولن يجد عرب ترامب ما يستر عورتهم أمام شعوبهم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم