في الوقت الذي تزداد فيه العلاقات توترا بين تركيا واليونان، يصر سفيه الانقلاب عبدالفتاح السيسي على التقارب مع كل من اليونان وقبرص؛ الأمر الذي يثير كثيرا من التساؤلات حول أهداف نظام العسكر من هذا التقارب وهل يمثل نكاية واستفزازًا لتركيا التي ترفض الاعتراف بنظام الانقلاب أم هو التقاء مصالح مشتركة لا علاقة له بالتحالفات والمحاور السياسية والاقتصادية في منطقة شرق المتوسط خصوصا وأن العلاقات بين تركيا من جهة ونظام العسكر وقبرص من جهة أخرى تشهد توترا بسبب ملف التنقيب عن النفط والغاز بالبحر المتوسط؟

وجاء استقبال رئيس سلطة الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الخميس 10 يناير 2018م، مدير عام جهاز المخابرات اليوناني يانيس روباتيس، بحضور رئيس المخابرات عباس كامل، ليثير التكهنات حول أسباب استقبال السيسي بنفسه لرأس المخابرات بأثينا، في وقت تزايدت فيه حدة التوتر بين تركيا واليونان.

هذه بخلاف الهجوم الذي شنه سامح شكري على تركيا وقطر، خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية المغربي الثلاثاء الماضي، زاعما أنهما يدعمان المتطرفين والميليشيات المسلحة في ليبيا في إشارة إلى قوى الثورة التي تواجه نزوع حليف السيسي الجنرال خليفة حفتر نحو الاستبداد وتأسيس نظام عسكري على غرار مصر في ليبيا.

وفي نوفمبر 2018، أجرى نظام العسكر مع اليونان تدريبات عسكرية مشتركة بمشاركة قوات جوية وبحرية وعناصر القوات الخاصة بنطاق شرق بحر إيجه وجنوب جزيرة كريت بالبحر المتوسط، ما اعتبره مراقبون تحديا لتركيا.

وأعلنت وسائل إعلام تركية عن إطلاق أنقرة أضخم مناورة حربية بحرية بتاريخها للقوات البحرية والبرية والجوية، بداية من 27 فبراير، وحتى 3 مارس 2019، بالتزامن مع زيادة التوتر مع اليونان.

تحذيرات تركية

هذا النزوع نحو التقارب مع اليونان وقبرص دفع كاتبا تركيا إلى التحذير من تحركات نظام العسكر في مصر محذرا في مقاله المنشور بصحيفة “صباح” الخميس الماضي من دور مصري محتمل والانتباه للتحركات الأخيرة لنظام القاهرة وتحول مصر لما سماه “قاعدة عسكرية كبيرة”، خشية أن يكون الغرب “بدأ فعلا بتوجيه النظام في مصر سياسيا وعسكريا نحو زاوية معينة دون أن ينتبه لها الأتراك”.

وقال الكاتب حشمت بابا أوغلو إن “على تركيا الانتباه لتحركات مصر في الآونة الأخيرة، خصوصا في ظل علاقاتها المزدهرة مع اليونان وقبرص الجنوبية، ناهيك عن عمليات التسليح الكبيرة للجيش المصري عبر إبرام صفقات سلاح هائلة”، متسائلا: “هل يشكل التسلح المصري خطرا على تركيا؟”.

هذه التطورات تأتي في ظل ما كشفه الأربعاء الماضي الكاتب الإنجليزي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست، حول تفاصيل اجتماع رباعي لقادة مخابرات مصر والسعودية والإمارات بالإضافة إلى إسرائيل، في ديسمبر 2018، في أبوظبي.

هيرست، أكد أن الاجتماع المخابراتي ناقش كيفية تهميش وتقليص النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران، مبينا أنهم أجمعوا على أن أنقرة وليس طهران هي الخصم العسكري الرئيسي بالمنطقة لهم، وأنهم وضعوا خططا لمواجهة النفوذ التركي.

وبحسب محللين وخبراء فإن ما يجري يمثل امتدادا لتحالف الثورات المضادة المدعوم أمريكيا وإسرائيليا من أجل استنزاف تركيا بعد أن فشلت محاولة الانقلاب التي رحبت بها وسائل إعلام هذا التحالف الاستبدادي منتصف 2016م. كما فشلت حملتهم ضدالعملة التركية وصناعة أزمة مالية في تركيا صيف 2018م.

و”دعوات هذا التحالف لمواجهة نفوذ تركيا بالتزامن مع دعوات انسحاب أمريكا من سوريا ووقف الحرب باليمن كلها استعدادات في إطار التجهيز لحملة جديدة على أنقرة” بحسب المحلل السياسي ممدوح المنير.

يعزز من ذلك “حالة الثأر والكراهية التي يكنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتركيا ورئسيها رجب طيب أردوغان، وتصاعدها بشدة بعد واقعة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده باسطنبول، وتدمير مستقبله السياسي حتى ولو بقي بالحكم فقد أصبح معزولا تماما”.

هذه المؤامرات التي تستهدف تركيا تأتي ردا على الدور القيادي الذي تمارسه تركيا للعالم الإسلامي مقابل تراجع الدور السعودي والمصري، فأصبح مطلوبا تنحيتها من المشهد ليس لوضعها القيادي فحسب، ولكن لمضمونها الأخلاقي الذي يختلف تماما عن طبيعة هذه الأنظمة الوكيلة والأدوات لآخرين كواشنطن وروسيا”.

وثمة ملفات مفتوحة يمكن لتحالف الاستبداد أن يسبب إزعاجا لتركيا من خلالها ومنها الحرب الاقتصادية مع وجود استثمارات كبيرة للرياض وأبوظبي بأنقرة، فضلا عن ملف الحرب بسوريا وتسليح منظمات تصنفها تركيا كإرهابية، مع استنزاف الجيش التركي وشعبية العدالة والتنمية الحاكم”، إضافة إلى أن “ملف غاز المتوسط كذلك يعتبر أحد الملفات الساخنة التي يمكن إحداث احتكاك مباشر مع تركيا خلالها، خاصة إذا نجحوا بإدخال اليونان معهم خاصة مع النزاع على غاز شرق المتوسط”.

تركيا وسياسة العيون المفتوحة

من جانبها، تبدي تركيا يقظة حيال هذه التحركات المشبوهة؛ حيث هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في فبراير الماضي، بالتدخل العسكري ضد اليونان وقبرص ما لم تتوقف الأولى عن انتهاك المياه الإقليمية التركية، والثانية عن أنشطة البحث والتنقيب عن النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط.

وفي نوفمبر 2018، حذر الرئيس التركي، خلال مشاركته في مراسم تسليم سفينة حربية “فرقاطة” تركية الصنع إلى قيادة القوات البحرية، شركات النفط والغاز الأجنبية من أي عمليات استكشاف وتنقيب قبالة الشواطئ القبرصية، مشددًا على أن بلاده لن تسمح للمحاولات الرامية لإقصائها عن البحار.

كما أن تركيا تستعد لإجراء أضخم مناورة حربية بحرية في تاريخها تشمل كامل القوات البحرية والبرية والجوية، وذلك مع تصاعد الخلافات مع اليونان حول الحدود والجزر المتنازع عليها واستخراج الطاقة من بحري إيجه والمتوسط.

وحسب وسائل إعلام تركية، فإن المناورة التي سيجري تنفيذها بين تاريخي 27 فبراير والثالث من مارس المقبل، ستكون الأضخم والأوسع في تاريخ المناورات البحرية للجيش التركي.

وأطلق على هذه المناورات اسم “الوطن الأزرق” وهي العبارة التي يستخدمها المواطنون والسياسيون الأتراك للإشارة إلى كافة المساحات المائية الخاضعة للسيادة التركية بالإضافة إلى المساحات المتنازع عليها مع اليونان في بحر مرمرة.

واعتبر الإعلام التركي هذه المناورة “أكبر رد على اليونان التي تحاول التعدي على المصالح السيادية والاقتصادية التركية في بحري إيجه والمتوسط”؛ حيث ستشارك فيها كافة القوات البحرية التركية وبدعم من القوات الجوية والبرية، وسيجري فيها استعراض كافة القدرات الدفاعية والحربية التركية إلى جانب فحص مدى استعداد هذه القوات لمواجهة أي تحديات في المياه التركية.

رابط دائم