لم يعد الإعلام وحده اللاعب الأساسي في تشكيل الصورة الذهنية عن رجل الشرطة، فالأعمال الدرامية في رمضان الجاري تمضى على نفس النسق الدرامي منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، في محاولات حثيثة لتلميع وجه الشرطة والجهاز الأمني، والذي يحظى بنسبة كراهية عالية للغاية في أوساط المصريين.

فمعظم ضباط الشرطة يجيدون ارتداء عدة وجوه، هم بالأساس مجرمون منحطون ساديون يتلذذون بتعذيب ضحاياهم، لكن ذلك لا يمنع من ارتداء عدة وجوه تتظاهر بالرقي والتحضر إذا تطلب الموقف ذلك، لكنه مع أول استثارة يعود إلى طبيعته السادية المجرمة التي تطغى على سلوكه وتهيمن على شخصته السادية، ويحاول جاهدا إخفاءها في حياته العادية ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ حتى لا تؤثر على مستوى علاقاته الاجتماعية مع زوجته وأولاده وأقاربه.

وتشهد الأعمال الدرامية في رمضان، منذ انقلاب 3 يوليو 2013، محاولات حثيثة كل عام من أجل تطبيع العلاقات بين الشعب والجهاز الأمني المكروه شعبيا؛ لأنهم ببساطة يتعاملون مع الشعب باستعلاء واحتقار؛ فهم السادة والشعب هم العبيد، وكذلك لترميم شعبية هذا الجهاز المخيف الذي كشفت ثورة 25 يناير كثيرا من بلاويه ومصائبه.

فملخص مسلسلات رمضان: “الشرطة والجيش والقضاء كانوا الضحية في كل شيء، والشعب هو المفتري والإرهابي.

ووفقًا لمراقبين فإن الشرطة تنتج مسلسلات لكسب تعاطف الشعب، ومسلسلات رمضان أصبحت برعاية الشرطة والمحاكم والسجون، ومعدة خصيصا لتلميع ضباط الشرطة والداخلية. والمثير في الأمر أن ضباط الجيش لا يحظون بمثل هذا الاهتمام في دراما رمضان!.

5 أعمال تمجد الشرطة

وفي دراما رمضان الجاري، هناك 5 أعمال تتناول ضابط الشرطة؛ كلها تسعى إلى تلميع صورة الضباط وتكريس النظرة الإيجابية لهم باعتبارهم يضحون من أجل الوطن ويواجهون الإرهاب المزعوم، ويواجهون عصابات المخدرات والجريمة المنظمة.

ومن هذه المسلسلات «نسر الصعيد» بطولة محمد رمضان، والذي يقوم بدور ضابط شرطة يحارب الفساد في الصعيد. و«كلبش2» بطولة أمير كرارة، حيث يقوم بدور ضابط شرطة يواجه عصابات تهريب المخدرات. ومسلسل “طايع” بطولة عمرو يوسف، والذي يقوم بدور ضابط شرطة في القوات الخاصة يحارب الإرهاب في سيناء. ومسلسل «أمر واقع» بطولة كريم فهمي، الذي يقوم بدور ضابط شرطة يشاركه البطولة الممثل الموالي للعسكر نبيل الحلفاوي. و«المرأة السوداء» بطولة شريف سلامة وشيري عادل، ويتناول مواجهة بين الضابط وتنظيم داعش.

لكن مشكلة المعالجة الدرامية في كل هذه الأعمال أنها تبرز وجها واحدا للشرطة؛ بينما تتغاضى عمدا مع سبق الإصرار والترصد عن الوجوه الأخرى شديدة الانحطاط والإجرام؛ فمن ضباط الشرطة من هم متورطون في أعمال الجريمة المنظمة وجلب المخدرات، بل إدارة عصابات الجريمة والمخدرات وتجارة السلاح، إضافة إلى انتهاكاتهم المتواصلة لحقوق الإنسان من قتل واغتيال خارج إطار القانون، وتعذيب وحشي وتلفيق التهم الباطلة في القضايا السياسية.

ولا ننكر أن قطاعا كبيرًا من الضباط يضحون بالفعل ربما بحياتهم وسعادتهم وسعادة أسرهم؛ لكن تلك التضحية ليست في سبيل الله ولا حتى في سبيل الوطن، بل لتكريس نظام استبدادي سلطوي يضمن مصالح وامتيازات الطبقة الحاكمة التي يهيمن عليها كبار جنرالات المؤسسة العسكرية وكبار اللواءات في المخابرات والشرطة والقضاء وكبار رجال الدولة بالحكومة والمحليات ورجال الأعمال المرتبطين بشبكة العلاقات والمصالح العسكرية ذات النفوذ الواسع والعلاقات المتشابكة مع الشركات العابرة للقارات، والتي تتبع قوى دولية وإقليمية لها تأثير واسع في دعم النظام وصناعة القرار المصري.

التشهير بالسودان

مسلسلات رمضان 2018 لم تكتف بهذا الدور التلميعي للشرطة، ولكنها أهانت السودان وصورته كدولة إرهابية تأوي إرهابيين مصريين، ما أثار غضب السودان التي استدعت سفير العسكر بالخرطوم واحتجت، كما أرسلت احتجاجًا للخارجية المصرية عبر سفيرها بالقاهرة.

وأثار مسلسل “أبو عمر المصري” جدلا وانتقادات في مصر والسودان؛ بسبب تصوير الحلقة الأولى منه السودان كدولة تأوي التنظيمات الإرهابية وتنبع منها، وبها قواعد للإرهابيين في مزارع بالدمازين وكردفان، ويحكي عن جماعات مصرية إرهابية تتخذ من بعض المناطق بالسودان مقرا لها.

نتائج عكسية

لكن هذه الأعمال المباشرة ربما تأتي بمردود عكسي إذا لم يتم الالتفات لعدد من النقاط المهمة، بحسب الناقد الفني الدكتور طارق الشناوي، والذي يؤكد- في تصريحات سابقة تعليقا على هذه الظاهرة- أن “العمل الدرامي الناضج يفترض ألا يكون مباشرًا وصادمًا، ويستحسن أن يكون مبطنًا بدرجة كافية”.

ويستدل الشناوي على ذلك بمسلسل “حضرة الضابط أخي”، الذي عُرض في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وكان يستهدف تقوية علاقة المواطن برجل الأمن، رغم ذلك افتقد الحفاوة الشعبية لأنه غير واقعي وتوجيهي إلى حد كبير.

ويضيف الشناوي “لما تقول للناس اتغيروا، يبقى بتحكم على قضيتك بالإعدام”، المواطن المصري يميل إلى العناد بطبعه وعدم تسليم عقله بسهولة، “والانطباع السيئ ناتج عن ثبات عقيدة الشرطة وعدم تحسنها فعليًا في الشارع، والعمل الدرامي مهما كان جيدًا لن يستطيع خداع الناس طول الوقت”، بحسب الشناوي.

رابط دائم