لا يجد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مانعا عقليا في أن يسرح بخياله لاستعراض إنجازات وهمية لا يعرف عنها المواطن شيئا، في الوقت الذي يئن فيه الغلابة من الجوع باعتراف السيسي نفسه، إلا أنه ومع حالة التطبيل الإعلامي التي تدعم خيال السيسي يستمر الرجل في هذا الخيال حتى يصل لحد “الخرف” ، فتنفرط منه الأرقام دون أن يشعر، وتتساقط منه الإنجازات دون أن يدري.

ولعل آخر ما استعرضه السيسي في “المولد” الذي يعقده منذ أيام، من إنجازات اقتصادية سماها الطفرات غير المسبوقة في مؤشرات التنمية الاقتصادية، وهو ما يحمل الكثير من المغالطات الواضحة لأي مبتدئ في الناحية الاقتصادية، بحسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي رئيس مجلس إدارة “الأهرام” السابق ونقيب الصحفيين الأسبق.

الاحتياطي بالديون

ويرد الولي على الإنجاز الأول من حيث وهم ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية بالبنك المركزي، لـ 37 مليار دولار مقابل 16 مليار دولار عام 2014، أي بزيادة 21 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي.

وقال الولي خلال مقال نشره على صفحته الشخصية بموقع “فيس بوك” أمس الأحد، إن هناك ثلاثة مصادر لهذا الارتفاع للاحتياطي بدأت بالمعونات الخليجية، التي قال محافظ البنك المركزي بالمؤتمر أنها بلغت 30 مليار دولار، ثم بالاقتراض الخارجي الذي بلغ 79 مليارا بنهاية يونيو الماضي.

ولم يعلن البنك المركزي رقمه بعد ذلك رغم استمراره في الاقتراض، والذي حددته مؤسسة فيتش بتقريرها الأخير عن مصر بنحو مائة مليار دولار بنهاية العام الماضي، والمصدر الثالث كان مشتريات الأجانب لأذون الخزانة المصرية، الذي قالت السلطات المصرية أنها بلغت 19 مليار دولار.

وأضاف الولي أن زيادة الاحتياطي بنحو 21 مليار دولار فقط بالمقارنة لحصيلة تلك الموارد الثلاثة والتي تصل الى 106 مليار دولار، يجعل السؤال الأهم أين ذهبت باقي تلك الموارد؟ طالما تم حل مشكلة نقص الدولار حسب حديث محافظ البنك المركزي وأصبحت الموارد المحلية تغطى المدفوعات الخارجية، خاصة وأن القروض أكثر من زيادات الاحتياطي.

وتابع: “المعروف أنها ذهبت لشراء وقود وسلع تموينية ومستلزمات أمنية ودفاعية ورحلات خارجية وغير ذلك، بدليل استمرار الاقتراض الخارجي حيث تستعد وزارة المالية المصرية لبيع سندات بنحو 4 مليار دولار بالنصف الأول من شهر فبراير القادم، يليها بيع سندات باليورو بنحو 1.5 مليار يورو، الى جانب الحصول على نصف مليار دولار من البنك الأفريقي للتنمية، و ملياري دولار في يونيو من صندوق النقد الدولي وجهات دولية أخرى”.

وضرب الولي مثالا بسيطا يوضح ذلك، ففي شهر ديسمبر الماضي زاد الاحتياطي بنحو 298 مليون دولار، بينما حصلت مصر خلال الشهر على ملياري دولار من صندوق النقد الدولي و مليار و150 مليونا من البنك الدولي، وفى نوفمبر الماضي زاد الاحتياطي بنحو 185 ملبون دولار بينما تم اقتراض 3 مليارات و100 مليون دولار من عدد من البنوك الدولية.

العجز التجاري

وأشار الولي للإنجاز الثاني: وهو انخفاض العجز التجاري بالعامين السابقين بنحو 20 مليار دولار، منها 4 مليارات زيادة بالصادرات و16 مليارا انخفاضا بالواردات، وهى أيضا أرقام غير دقيقة فحسب جهاز الإحصاء المصري، حيث انخفضت قيمة الصادرات المصرية عام 2016 بنحو 279 مليون دولار عن عام 2015 رغم قرار تعويم الجنيه بأواخر العام.

وزادت الصادرات في 2017 بنحو 547 مليون دولار حسب تقديرات وزارة التجارة الخارجية بحكومة الانقلاب أي أن صافي قيمة زيادة الصادرات بالعامين الأخيرين بلغ 268 مليون دولار فقط، رغم ادعاءات المسؤولين المصريين وقت قرار تعويم الجنيه بأنه سيحقق طفرة كبيرة بالصادرات المصرية.

أما الواردات المصرية فلا توجد مصداقية لأرقامها، بسبب تلاعب المستوردين في قيمة الفواتير سعيا نحو خفض تكلفة الجمارك عليها، الى جانب استيراد كميات كبيرة من السلع عن طريق التهريب، والتي لا تدخل في البيانات الرسمية عن الواردات والتي تحصر فقط ما جاء عبر الجمارك، و رغم الإجراءات زادت الواردات، في حين المعروف أن الحكومة المصرية قد اتخذت عدة إجراءات خلال العامين الماضيين لخفض قيمة الواردات، سواء السلعية أو الخدمية، فمع الواردات السلعية قامت الجمارك بعمل أسعار استرشاديه لا تعترف بفواتير الموردين، كما قامت برفع نسب الجمارك على عشرات السلع مرتين.

وقامت برفع قيمة الدولار الجمركي الذي يتم على أساسه حساب قيمة الجمارك، كما قامت وزارة التجارة الخارجية بالتشديد على الاستيراد بوضع شروط للموافقة عليه الى جانب ما قام به البنك المركزي من ضوابط قال محافظ البنك المركزي علانية أنه يستهدف بها تقليل حجم الاستيراد.

ورغم كل تلك الضوابط فها هي الأرقام الرسمية لقيمة الواردات خلال الربع الثالث من العام الماضي كآخر بيانات متاحة، تشير الى زيادة قيمة الواردات بنحو 104 ملايين دولار بالمقارنة بنفس الفترة من العام الأسبق.

البطالة لم تنخفض

ورد الولي على الإنجاز الثالث: وهوانخفاض البطالة من 13.4 % الى 9ر11 %، من خلال توفير المشروعات القومية 3 ملايين و500 ألف فرصة عمل، والمعروف أن طريقة احتساب البطالة بمصر لا تجد قبولا من كثير من الباحثين حيث صغر حجم العينة التي يتم القياس عليها، والمفاهيم التي يتم العمل بها والتي تعتبر من عمل ساعة واحدة بالأسبوع ليس عاطلا.

يقول الولي: “الغريب أن الجنرال نفسه كان قد صرح في منتصف اكتوبر 2016 بمؤتمر الشباب بشرم الشيخ، بأن المشروعات القومية قد وفرت 4 ملايين فرصة عمل للشباب، فهل انخفضت فرص العمل ما بين اكتوبر 2016 وحتى الآن بنصف مليون فرصة عمل؟، مضيفا أن كلا الرقمين لا توجد مصداقية لهما، لستة أسباب أولها الشكوى المستمرة داخل البيوت المصرية من ارتفاع معدلات البطالة، والركود الموجود بالأسواق منذ فترة، وارتفاع معدل الفائدة بالبنوك مما يقلل اقتراض المشروعات، وبيانات جهاز الإحصاء ما بين يونيو 2014 عندما احتل الجنرال كرسي الرئاسة، وحتى سبتمبر الماضي كآخر بيانات معلنة، والتي تشير الى أن زيادة عدد المشتغلين خلال تلك الفترة البالغة 39 شهرا نحو مليونين و42 ألف مشتغل.

وبالطبع يجيء هذا العدد حسب تعريفات الجهاز للبطالة التي تعتبر من عمل ساعة بالأسبوع ليس عاطلا، كما تشمل كل أنواع النشاط الاقتصادي بالمجتمع من قطاع خاص وعام وهيئات اقتصادية وقطاع غير رسمي، فكيف يكون المجمل لجميع الأنشطة قد أتاح مليوني فرصة عمل، بينما الجزء وهو المشروعات القومية وحدها قد وفرت 3ملايين و500 ألف فرصة عمل؟.

وأشار لرد الصحف الحكومة والخاصة على هذا السؤال حين ذكرت جريدة الأهرام الرسمية، بعدد الثامن من نوفمبر 2016 بأن عدد فرص العمل التي وفرتها أعمال العاصمة الإدارية بلغت 15 ألف شخص، وعدد فرص العمل التي وفرتها أعمال مدينة الإسماعيلية الجديدة بلغت عشرة آلاف فرصة عمل، وذكرت صحيفة الجمهورية في 21 ديسمبر 2016 أن فرص العمل التي وفرتها سحارة سرابيوم 600 فرصة عمل، وذكرت صحيفة المال في بداية نوفمبر 2016 أن عدد فرص العمل التي وفرها مشروع مطار العاصمة الدولي يتراوح ما بين 2000 الى 3000 فرصة، وذكرت بعدد 20 ديسمبر 2016 أن عدد فرص العمل التي وفرتها أنفاق بورسعيد بلغت ثلاثة آلاف عامل ومهندس ومشرف.

وكانت بيانات رسمية قد أكدت أن عدد الذين عملوا بمشروع قناة السويس الجديدة – التفريعة – قد بلغ 40 ألفا من المصريين والأجانب معا، والمعروف أن عمالة حفر التفريعة وغيرها مثل إنشاء الطرق هى عمالة مؤقتة وليست دائمة. التضخم سيزيد بالشهور المقبلة

تراجع “التضخم” وهمي

فيما أوضح الولي في رده على الإنجاز الرابع: انخفاض التضخم من 35 % الى 22 %، ورغم عدم تصديق المصريين والخبراء لمؤشر التضخم الرسمي لوجود ملاحظات عليه، لكنه حتى مع الوصول إلى نسبة 22 % فإن ذلك يعبر عن وجود مشكلة اقتصادية حادة، فالاتحاد الأوربي وضع حدا أقصى لمعدل التضخم في دوله بنسبة 2 % سنويا فقط.

وتساءل “هل أحس الناس بتراجع الأسعار؟ أم أن الانخفاض في حقيقته هو مسألة حسابية فنية تعود الى صغر رقم فترة الأساس التي تم الحساب عليها؟ ولهذا وكما حسب الجنرال زيادة الصادرات في عامين، لماذا لا نحسب نسبة التضخم في ديسمبر الماضي خلال عامين، والتي ستصل الى حوالي 47 % منها 3ر22 % بديسمبر من العام الماضي و3ر24 % بديسمبر بالعام الأسبق.

وكرر الجنرال ما يردده محافظ البنك المركزي من استهدافه بلوغ نسبة التضخم 13 % بالربع الأخير من العام الحالي، لكن المحافظ قال 13 % زائد أو ناقص 3 % أى يمكن أن تصل النسبة الى 16 %، وهو ما نستبعد حدوثه حيث إن هناك زيادات قادمة بالأسعار، تشمل السكة الحديد ومترو الأنفاق والمنتجات البترولية والكهرباء وتراخيص السيارات، والرسوم التي سيتم فرضها على مواد البناء، وغيرها من الزيادات المؤجل تنفيذها لما بعد الانتخابات الرئاسية. أقل قيمة لعجز الموازنة بعام مرسى

عجز الموازنة

وفي رده على الإنجاز الخامس: تراجع عجز الموازنة من 7ر16 % الى 9ر10 %، قال الولي: “لقد بحثت عن نسبة الـ 7ر16 % هذه خلال السنوات المالية العشر الأخيرة فلم أجدها، وكانت أعلى نسبة للعجز الكلى بالموازنة بالعام الذي تولاه الرئيس محمد مرسى حين بلغت حسب بيانات وزارة المالية 9ر12 %، في حين كانت النسبة 5ر12 % بالعام الثاني لتولى الجنرال، مع الأخذ في الاعتبار عدم حصول الدكتور مرسى على معونات عربية مثلما حدث مع نظام الثالث من يوليو، فقد بلغت المنح بعام مرسى 5 مليارات جنيه بينما بلغت بالعام الأول لنظام الثالث من يوليو 96 مليار جنيه، ومع ذلك كانت نسبة العجز خلاله 12 % أي أنها بدون المنح كانت ستفوق نسبتها بعام مرسى.

يضاف الى ذلك أن قيمة العجز الكلى بالموازنة التي تحققت بعام مرسى والبالغة 240 مليار جنيه، لم تتكرر خلال السنوات الأربع التالية، حيث اتجهت قيمة العجز للتصاعد المستمر من 255 مليارا بالعام الأول للنظام، الى 279 مليارا بالعام الثاني الى 5ر339 مليارا بالعام الثالث، ثم الى 380 مليارا بالعام الرابع ويتوقع زيادة الرقم عن ذلك بالعام المالي الحالي.

طفرة كاذبة في الاستثمارات

وجاء الإنجاز السادس: ارتفاع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 14 % بعام 2016/2017، والمعروف أن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر قد بلغت 7 مليارات و916 مليون دولار بذلك العام مقابل 6 مليارات و900 مليون بالعام المالي السابق.

وقال الولي: “ليت الجنرال يعود للوراء قليلا ليرى أن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر، كانت قد بلغت 13 مليارا و200 مليون دولار بالعام المالي 2007/2008 أي قبل تسع سنوات، مما ينفى عنها صفة الطفرة غير المسبوقة كما ذكر”.

رابط دائم