“تأسيس 11 ألف شركة لتوفير 44 ألف فرصة عمل”، كان ذلك مانشيت طويل عريض يزين الصفحة الرئيسية لجريدة الأهرام لسان حال حكومة الانقلاب، مانشيت قصد به مندوب هيئة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، المقيم بصفة مستمرة في مبنى الجريدة أن يطعم الشعب الحلاوة، أي أن يخدعه ويدغدغ عواطفه، لكن هيهات فقد وصل خداع العسكر للشعب طوال 60 عاماً وتزيد قليلاً إلى المرحلة الأخيرة، وسرعان ما اشتعل الأمر بالسخرية ووقعت جريدة الأهرام في شر خداعها، وكأنها خرجت من الحمام بلا ملابس، وعلق أحد النشطاء بالقول”يعني كل شركة من الـ 11 ألف وفرت فرص عمل لـ 4 موظفين فقط، وغالبا هما: رئيس الشركة والمدير وموظف واحد وبتاع الشاي”.
ومنذ انقلاب 30 يونيو 2013، ورؤساء تحرير الصحف القومية الثلاث الأهرام والأخبار والجمهورية، في سباق محموم على التطبيل والنفاق للسفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وإسباغ عبارات المديح والثناء عليه، فوصفوه بأنه رئيس مقاتل، وبأن وجهه طيب، وأن ضحكته صافية، وبأنه يسابق بخطاه الزمن، وأضافوا أنه مهموم بتوفير الحماية الاجتماعية للبسطاء ومحدودي الدخل والطبقة المتوسطة، وبأنه يمتلك شجاعة أدبية، وصدقا مع النفس، واحتراما وتقديرا لذاته.
يقول الناشط رامي السيد :” جرنال الاهرام منبسق منه ١٨ جريده تانيه زى الاهرام المسائي والعربي والمجلات والحاجات اللى محدش بيقراها دى المهم بقي المؤسسه دى خسايرها السنادى ١٨مليار ج اه والله ياجدع والسيسي سابهم وجاى يقولنا احنا ناكل طقه واحده علشان خاطر مصر تقريبا هما دولا مصر واحنا منعرفش اقتصاد”.

صحف التطبيل
وتعود حكاية الصحف القومية إلى يوم أن قرّر أبو الانقلاب جمال عبد الناصر، في الرابع والعشرين من مايو 1960، تأميم الصحف المصريّة، وإلغاء فكرة تملّك الأفراد للصحف، رغبةً منه في السيطرة على عقول الجماهير وحشدهم إلى الاشتراكيّة في أوائل الستينيات.
وبعد أكثر من خمس سنوات من الانقلاب، تؤكد معطيات الواقع وتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية انتقال مصر خلال هذه السنوات إلى حالة دكتاتورية فجة، تغلق أغلب منافذ التعبير، وتخنق الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية، في حين تحولت وعود الرفاه إلى سراب بقيعة، وعادت المنظومة الحاكمة للبطش بصناعها و”الثورة” لأكل “أبنائها” بعد “الخلاص” من خصومها وأعدائها، وتراجع دور مصر إقليميا ودوليا.
وإذا كان الوضع السياسي والحقوقي بعد خمس سنوات من انقلاب السفيه السيسي مظلما، فإن الوضع الاقتصادي تدهور هو الآخر بشكل غير مسبوق، حيث ذهبت وعوده في الأعوام السابقة بخفض الأسعار أدراج الرياح، وقال اقتصاديون إن السياسات الاقتصادية في عهد السفيه أدت إلى ارتفاع معدل التضخم لمستويات غير مسبوقة، وإن البلاد غرقت في عهده بالديون.
وخلال سنوات الانقلاب الأربعة الأولى للسفيه، رفعت حكومة الانقلاب أسعار الكهرباء والوقود ثلاث مرات، بالإضافة إلى مياه الشرب وتذكرة ركوب مترو الأنفاق وخدمات أخرى، ولدى انقلاب السفيه ارتفع معدل التضخم السنوي الإجمالي 8.2% في يونيو 2014، وصعد إلى 34.2% ، كما كان سعر صرف شراء الدولار يعادل 7.31 جنيهات، وارتفع إلى نحو 18.63 جنيها حاليا.

ثورة السوشيال
ويقول الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إنه على مدى السنوات الأخيرة ارتفع الدين المحلي من 1.5 تريليون جنيه إلى 3.16 تريليونات جنيه، أي أكثر من الضعف، وانضم تحدي ارتفاع الدين الخارجي إلى ارتفاع الدين المحلي ليجاوز سقف ثمانين مليار دولار.
وباتت الاحتجاجات المطلبية والشكاوى المستمرة من انهيار الوضع وغلاء الأسعار حالة ثابتة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، التي شكلت بديلا عن الشوارع في ظل القمع والحرمان من حقوق التظاهر، ومؤخرا، أثار قرار زيادة أسعار تذاكر المترو التي ارتفعت بدورها من جنيه واحد لتصل إلى سبعة جنيهات غضبا واسعا بين ملايين المصريين الذين يمثل لهم المترو وسيلة النقل المفضلة يوميا.
وعلى المستوى الخارجي، ازداد تراجع الحضور المصري في السياسات الإقليمية والدولية، وكان لافتا أن الإدارة الأمريكية اختارت السعودية لتكون عرابة لصفقة القرن، وهو مؤشر دال على حجم تراجع مصر في أهم ملفاتها وأدوارها تاريخيا وإقليميا.
كما ازداد الضغط على مصر في السنوات الأخيرة في ملف سد النهضة الذي يمثل معضلة “وجودية” بالنسبة للمصريين في ظل عجز السفيه السيسي عن حلحلة هذا الملف والوصول إلى تسوية ترضي المصريين وتحفظ حقوق البلد في أهم مصادره المائية.
خدع السفيه السيسي قبل خمس سنوات ملايين المصريين، وكان انقلابه معجزة ربانية بالنسبة للإسرائيليين وفق تعبير الحاخام يوئيل بن نون، وفرجا لبعض الخليجيين الذين أسهموا في انقلابه ووعدوه بعشرين مليارا مقابل الإطاحة بنظام الرئيس المنتخب محمد مرسي وفقا لمجلة “نيويوركر”، ولكنه تحول اليوم بحسب الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله إلى متسول عند أقدام حكام دول الخليج العربي، التي وصفها ذات مرة “بأنصاف دول”.

رابط دائم