"كتائب القسام".. "صواريخ القسام".. مصطلحات يرددها الجميع بكثير من العز والفخار دون أن يشغل بال أحد التفتيش عن أصل كلمة القسام وإلي من تعود، فأبطال المقاومة في حركة حماس الفلسطينية وجناحها العسكري وأخواتها فى ميدان قتال الصهاينة، كانوا بمثابة المتنفس الوحيد لأمة فقدت بوصلة الجهاد والتبس عليها الحق والباطل، وكبلتها التخمة الظالمة التي توسدت حكم المسلمين فى غفلة من الزمان فأقعدتها عن تلبية نداء الأقصى وأنات المسلمين والمسلمات هنا وهناك.

ودون فلسفة أو مقدمات نارية –يستحقها بكل تأكيد- إلا أن اسم شيخ المقاومة الفلسطينية عز الدين القسام يغنيك عن كثير من الكلمات أو الافتتاحيات الملحمية، خاصة وأن صداه يتردد فى داخلك بكل ما يحمل رائحة المقاومة وعبق الاستشهاد وصدي الجهاد، ويداخلك شعورا حقيقيا أنه تفلت من عصر الصحابة أو صنع علي عين كبار التابعين، فالرجل الذى ولد بسوريا ودرس بمصر واستشهد بأرض الرباط، سخر حياته لله فخلد الله اسمه برجال صدقوا ما عهدوا الله عليه وبقي وقعه يبث الرعب فى نفوس الصهاينة.

واللافت أن ترى الشباب المسلم يتغني بنماذج ثورية ويسير علي خطي جيفارا أو يقتبس من أقوال لوثر كينج، أو يضرب المثل بمثالية غاندي وصلابة مانديلا، ولا يجد من يقلب له صفحات التاريخ المشرق لأمة الإسلام وكفاح أبطالها النضالي -وهم كثر- فى مواجهة أعداءها، وينبتون فى ربوع الوطن كما ينبت العشب الأخضر، إلا أن كتائب الجهاد فى فلسطين عثرت على ضالتها فى المثل والرمز عز الدين القسام وبات مضرب المثل فى الكفاح ضد العنصرية والاحتلال والاستبداد. 

محطة التشكيل 
ولد عز الدين عبد القادر مصطفى يوسف محمد القسام 19 نوفمبر1871 وتوفى بعد يوم من الذى التاريخ لعام 1935، وبينهما من نوفمبر إلي نوفمبر تاريخ حافل بالإثار والنضال والدعوة والمقاومة والمثل والرمز فى نفوس الشباب الثورى العربي المسلم.
 
بمدينة جبلة بمحافظة اللاذقية في سوريا كان الميلاد، فى بيت عرف بالتدين والعلم، وكان هذا الوليد المشرق يميل فى صغره إلى العزلة والتفكير ويحمل فى داخله هموم وطنه الكبير المثقل بالاستعمار والقهر.

لذلك حرص والده على أن يمده بما يشبع داخله العلم ويملأ أركانه باليقين، فحفظ كتاب الله وتملّى من حديث الرسول، وأخذ علوم العقيدة والفقه والعربية، قبل أن يتتلمذ على يدي الشيخ سليم طباره أحد كبار علماء بيروت فغرف من غزير علمه وانهل من فيض المعارف، وسعة الإطلاع حتى عرف بين أقرانه بالشاب واسع الأفق عالي الهمّة بعيد المطامح.

شغله أمر الدعوة إلى الله وأثقله هم أمته، فوضع الدين فى قلبه وعض عليه بالنواجذ وأخذ الدنيا بين راحتيه وسخرها لخدمة الإسلام وعزة المسلمين ولقد بلغ من علوّ همته وبعيد مطامحه أن ولّى وجهه هو وصديقه عز الدين علم الدين التنوخي شطر مصر بلد الأزهر والعلم ليستزيد ويكتمل القالب المثالي لمناضل سيصير بعد بضع سنين مضرب الأمثال.
 

محطة الأزهر 
كان الانتقال إلي مصر مرحلة مفصلية فى حياة شيخ المقاومة خاصة فى ظل تنامي حركة التنوير وتأجج مقاومة الاستعمار البريطاني فى نفوس المصريين، فاستزداد من علم كبار العلماء فى الأزهر الشريف وساهم الشيخ محمد عبده والعالم محمد أحمد الطوخي فى تكوين شخصيته وإضاءة جوانب جديدة فى ملامحه.
 
وتأثر القسام طوال فترة إقامته بالقاهرة بقادة الحركة النشطة التي كانت تقاوم المحتل البريطاني، وحرص علي مطالعة ومجالسة المناضلين والتقرب من المجاهدين والسير علي خطي قادة التنوير، فتأثر بجمال الدين الأفغاني وعبد الله النديم، حتى عاد إلى بلاده فى عام 1903 وقد تشبع بالعلم وتسلح بروح المناضلين.
 
عني ابن اللاذقية كثيرا بأمر الدعوة وتربية أجيال من الرجال، فتولى الخطابة في جامع السلطان إبراهيم، وأقام مدرسة لتعليم القرآن واللغة العربية في مدينة جبلة، وحرص علي تشكيل النشأ فى قوالب نضالية دعوية، على أمل أن تكون من بينهم نواة تضرب المحتل فى مقتل وتعيده صاغرا إلي بلاده، فتجمع حوله الكثير وبات قبلة لأصحاب الحق والرأي.

وفي عام 1920م عندما اشتعلت الثورة ضد الفرنسيين، فانتقل القسام إلى حراك الشارع وشارك في الثورة كأحد قادتها، حتى حاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء فرفض ذلك وكان جزاؤه أن حكم عليه الديوان السوري العرفي بالإعدام، ولم ينسه هم بلاده هموم إخوانه فقاد أول مظاهرة تأييداً لليبيين في مقاومتهم للاحتلال الإيطالي والدعوة لقائدها المناضل عمر المختار، وكون سرية من 250 متطوعاً وقام بحملة لجمع التبرعات.
 

محطة المقاومة 
بات الجهاد هم أبو المقاومة، يحط رحاله خلفه ويحمله فى قلبه فى حله وترحاله، فباع بيته وترك بلدته وانتقل لمساندة عمر البيطار في ثورة جبل صهيون السورية ضد الاحتلال الفرنسي وكان سيفا على رقاب أحفاد نابليون ليصدر الحكم بإعدامه، ليرحل إلي فلسطين.
وصل الشيخ القسام عام 1921 م إلى فلسطين مع بعض رفاقه واتخذ مسجد الاستقلال في الحي القديم بحيفا مقراً له حيث استوطن فقراء الفلاحين الحي بعد أن نزحوا من قراهم ونشط القسام بينهم يحاول تعليمهم فكان يعطي دروساً ليلية لهم ويكثر من زيارتهم وقد كان ذلك موضع تقدير الناس وتأييدهم.
 
ثم انتقل إلي قرية الياجور قرب حيفا، والتحق بالمدرسة الإسلامية هناك ثم بجمعية الشبان المسلمين وأصبح رئيساً لها عام 1926 ، ليبدأ مرحلة التحضير والاستعداد للجهاد ضد الاستعمار البريطاني بعدما استشعر خطر الحركة الصهيونية ورأى ضرورة ضرب قاعدة هذا الخطر ممثلة بالاستعمار البريطاني.
 
حتى عام 1935م لم يكن سكان حيفا يعرفون عن عز الدين القسام سوى أنه واعظ ديني ومرشد سوري ورئيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة حيفا وكان بنظرهم شيخاً محمود السيرة في تقواه وصدقه ووطنيته كما كانت منطقة الشمال تعرفه إماماً وخطيباً بارعاً ومأذوناً شرعياً في جامع الاستقلال وهو الذي سعى في تشييده.
 
رغم ريادته في تشكيل منظمة مسلحة تخوض غمار المواجهة ضد المحتل إلا أن المؤرخين الذين أرّخوا لمنظمته أجمعوا على أنه نجح في تجاوز أخطاء البدايات، فأثنَوْا على دقة تنظيمه، وقدراته الفائقة على الاختيار، والكتمان الشديد.
 
يعمل على إعداد الجماهير نفسيًا للثورة، وساعده في ذلك عدد من المجاهدين العرب، وكانت أنشطته العلنية في الوعظ والتدريس ستارًا لعمله الأساسي في بناء الثورة، واختيار الصالحين لها من بين تلاميذه ومستمعيه، وشرط الانضمام أن يشتري المجاهد سلاحه الأول من ماله الخاص ليكون بذل المال تدريبًا عمليًا على الاستعداد لبذل الروح في سبيل الله.
 
قام القسام بتنظيم مجموعاته العسكرية والتي كان يبلغ عدد أفرادها 200 شخص في حلقات سرية. كانت كل حلقة تتكون من خمسة مقاوميين يرأسها نقيباً للقيادة والتوجيه. وبمرور الوقت زاد أنصار القسام حتي بلغ عددهم 800 مقاتل وبذلك زاد عدد أفراد المقاومة لتضم كل واحدة 9 مقاتلين.
 
مضى الشيخ القسَّام سنين طويلة في اختيار العناصر وإعدادها وتربيتها على التعاليم الإسلامية، ورفض الانجرار للمعركة قبل استكمال الاستعداد، مما أحدث انقسامًا ظل طي الكتمان في منظمته من جراء رفضه إعلان الثورة ردًا على أحداث حائط البراق 1929، وبات يمثل شوكة فى حلق المحتل خاصة مع اتساع اتصالاته. 
 

محطة الخلود 
كعادة زعماء العرب فى كل عصر، تنكر الجميع لحركة المقاومة وولوا ظهورهم لها بعد أن طلب الشهيد عز الدين القسام العون من الملوك والأُمراء، إلا الأمير الشيخ راشد الخزاعي وحده من لبى النداء من شرق الأردن وأمد القسام ورجاله بالمال والسلاح والمأمن فكان الأمير الوحيد من العرب الذي لبي نداء الثورة.
 
انطلقت ثورة القسام من جبال عجلون مع عدد من الثوار ولاحقوا الاستعمار وزبانيته فى كل ربوع فلسطين، وتحمل الأمير راشد الخزاعي الكثير من العناء فى سبيل مد القسام بالمال والسلاح وتوفير الحماية للثوار الفلسطينيين وحث قبيلته على القتال، وقام الإنجليز بملاحقته وقصف بيته وقتل أنصاره حتى قرر الرحيل إلى السعودية.
 
وفي 15 نوفمبر 1935 كشفت القوات البريطانية أمر القسام، فتحصن الشيخ عز الدين مع 15 فرداً من أتباعه بقرية الشيخ زايد، فلحقت به القوات البريطانية في 19/11/1935 فطوقتهم وقطعت الاتصال بينهم وبين القرى المجاورة، وطالبتهم بالاستسلام، لكنه رفض واشتبك مع تلك القوات، وأوقع فيها أكثر من 15 قتيلاً، ودارت في معركة يعبد غير المتكافئة بين الطرفين بعدما استعان الإنجليز بالطائرات والمدافع الثقيلة، وما جاء يوم 20 نوفمبر 1935 حتى أضحى القسام علما من أعلام الجهاد يتردد اسمه في بلاد فلسطين كلها.
 
خرج آلاف الفلسطينيين يحملون جثامين الشهداء الثلاثة بثيابهم الطاهرة التي خضبها الدم مسافة 5 كم حتي مكان المقبرة التي وارى فيها الشهيد عز الدين القسام الثرى في قرية الشيخ وصلى عليه الفلسطينيون صلاة الغائب.
 
تلك المسيرة لم تكن لتنتهي عن تلك المحطة وإنما كتب لها الخلود، بعدما جاء بعثها من جديد علي يد الشيخ الشهيد أحمد ياسين، الذى أسس فى ثمانينيات القرن الماضى حركة حماس على خطى حسن البنا وجناحها العسكري الذي حمل اسم شيخ المقاومة عز الدين القسام ليواصل أبناءه رحلة الجهاد وملاحقة الاحتلال وبعث أمجاد الأمة.
محاضرة للدكتور الشريف عن الشهيد عز الدين القسام

 

رابط دائم